rawafedcenter.org

أبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي الأبياري (557هـ-618هـ) – 1 –

مولاي إسماعيل الناجي

أستاذ باحث في الفكر الإسلامي

– جامعة ابن زهر –

       إن التعريف بالشيخ “أبي الحسن الأبياري” مما يقتضيه الواجب العلمي، خاصة أن أغلب كتب التراجم ظلمته بتغييبه عن رجالاتها، رغم مكانته الكبيرة التي لا ينازع فيها أحد، ولا أكاد أفهم سبب تغييب المؤرخين هذا الشيخ عن صفحات تراجمهم، رغم أنهم ترجموا لتلميذيه “ابن الحاجب” و”ابن عطاء الله الإسكندري”. وليس هذا على إطلاقه، بل يوجد من أنصف وأعطاه بعض حقه، وإن اقتضب، وأفضال شيخنا “الأبياري” الكثيرة تجعله حقيقا بأن يكتب عنه وعنه يسهب[1].

هو علي بن إسماعيل بن علي بن حسن بن عطية الصنهاجي التلكاني. ويكنى بـ “أبو الحسن” بابنه الحسن، ويلقب بـ“شمس الدين”، وبـ”مفتي المسلمين”، وبـ“الشيخ”، الأبياري نسبة إلى حاضرة “أبيار”.

تكاد تجمع كتب التراجم التي ترجمت له أنه ولد سنة 557هـ بـحاضرة “أبيار” ، ولم يخرج عن هذا إلا الشيخ “عمر كحالة”، ونقل أن ولادته كانت سنة 559هـ، ولا عبرة بخلافه، فالقول قول الجمهور، لأنه يوافق ما ذكره عن نفسه، وإنما ذكرته من باب التنبيه فقط .

أما ما يتعلق بنشأته فقد ضنّت علينا به كتب التواريخ والتراجم، ولم أتمكن أن أُجلي الملامح الكبرى لنشأته التي وَقَّدت شعلته، ورفعته إلى سماء العالِمين بعدما أضاءت جذوته، حتى عرفه القاصي والداني. لكن يمكن القول، من مجموع ما طالعته: إنه رحل إلى “الإسكندرية” حاضرة العلم والعلماء، وموطن الفقه والفقهاء، وبها تفقه على يد أبرز علماء المالكية في زمانه -كما سيأتي ذكره ضمن شيوخه- حتى بزّ في الفقه والأصول كل أقرانه، وارتفع نجمه في علمي الكلام والحديث وكان من أعيانه، وبهذه المكانة الرفيعة انتهت إليه رياسة علماء المالكية بمصر.

ويكفينا بيانا لتبوئه هذه المكانة البالغة ما حلّاه به الفقيه “أبو محمد عبد الله بن علي بن ستاري”-وهو بصدد- حكاية جواب الشيخ عن مسألة إذ قال: «وكان شيخنا شمس الدين إمام المالكية بالديار المصرية “أبو الحسن الأبياري” -قدس الله روحه- يرجح قول “ابن القاسم”، ويرى أنه المتأخر إلا فيما شذّ»[2].

وكان مما أنيط به التدريس، فاعتلى كراسي التدريس والتحديث في “مدرسة الزكي التاجر”، وقصده جم غفير من الخلق، كما ولي خطة القضاء نائبا عن شيخه “أبي القاسم القضاعي”.

ومن نافلة القول إن الشيخ “الأبياري” مالكي المذهب، أشعري العقيدة، فهذا مما انتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم، وأصبح يعرفه كل عدو وصديق حميم، ولكن ما أذكره أنه لم يتقيد بهما تقليدا، بل يبحث في المسألة على شاكلته تصحيحا وتسديدا، ولا يأخذ إلا بما يرضى من دليل قاهر، وكان يُحسن الاستدلال إحسان ماهر .

أما رحلته، فتتابعنا جريرة كتب التراجم-التي قدر لي الاطلاع عليها-، والتي لم تذكر في أغلبها من رحلته العلمية إلا النزر اليسير، ولم ترسم لنا معالم رحلته إلا رسما خافتا، غير أنه يمكن القول أنه انتقل من “أبيار” التي ولد بها إلى الإسكندرية التي نشأ فيها واستقر مقامه بها، وتعلم على يد شيوخها، كما يذكر انه كان يتنقل في الإقليم للتعليم وغيره، حتى اجتمع به “المنذري” بجزيرة مصر، وحجّ إليه طالبو العلم ممن أصبحوا شيوخا فيما بعد .

       ومن آثاره العلمية التي خلفها الإمام “الأبياري” رغم أهميتها لم يكتب لها النشر ولا الطبع، حيث العجب من عدم تلقف أيدي المحققين لها، ونذكر مجملها على ما يلي ذكره:

1-علم السلوك: “سفينة النجاة”،  ولقد ألفه على منوال “إحياء علوم الدين” للإمام الغزالي”. وكتابالورع”.

2- علم الكلام: يمكننا اعتبار “مقدمة شرح البرهان مقدمة كلامية” التي نافح فيه عن “عقيدته الأشعرية”.

3-علم أصول الفقه: “التحقيق والبيان في شرح البرهان”.

4-علم الفقه: “شرح التهذيب في اختصار المدونة للبرادعي”، و”التعليقة”، و”التكملة على كتاب مخلوف”.

إن العالِم من طينة الشيخ “الأبياري” الذي غاص لأجل جواهر القرآن ودرر الحديث، وتضلع في متون الفقه والنظر الأصولي، ومَلَكَ اللغة العربية ودانت له علومها، لا يجوز في حقه أن تكون عنده هذه الآثار فقط، بل يغلب الظن أن غيرها كثير، إلا أنه لم يسلم من آفة الزمان ونوائب الدهر، وكم قَصَم تراث أمتنا الإسلامية قصْمَ الظهر .

أما مكانته العلمية عموما وفي علم الأصول على وجه الخصوص، فتكاد تجمع المصادر على ما تبوأه الشيخ “الأبياري” من رفعة، وما ارتقاه من سلم وعلية، ويكفينا دليلا على ذلك أن «بعض العلماء يفضله على الإمام فخر الرازي(ت606هـ) في الأصول»[3].

      ومن آثار الشيخ “الأبياري” كذلك ما تناقله عنه العلماء من بعده، سواء صرحوا بذلك أم أبهموه، ولقد استفاد كثير من الأصوليين من علمه الجم، وضمنه في مصنفاتهم الأصولية.

     أما خصاله ومناقبه: فقد كان ليّن الصحبة طريفها، سهل الطوية عفيفها، يجادل العلماء بصدر رحب، بلا خدش في النفس ولا صخب، كان معتدلا في نقده، ولا يحابي من كان في مذهبه ولا عِقده، ويكفينا دليلا على هذا شرحه البرهان، فقد نقد صاحبه نقدا علميا بارزا، ولم يطعن في إمام الحرمين طعنا فاحشا، وزم لسانه أن يكون كلامه طائشا، بل كان يعتذر عنه ويستغفر الله له، ويتعوذ من العجب، يقول : «فنعوذ بالله من الإعجاب بالرأي فإنه من المهلكات»[4] .

(يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– وهذه بعض الكتب التي عرجت على ذكره وعرفت به:

  • “التكملة لوفيات النقلة”: زكي عبد العظيم المنذري(ت656هـ)، تح. د. بشار عواد معروف، ط4، 1408هـ/1988م، [رت166، (2/477-478)].
  • “الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب”: ابن فرحون [رت30 من الطبقة7 فرع أهل مصر، (2/121- 123)].
  • “حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة”: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، تح. أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية-مصر، ط1، 1387 هـ-1967م، [رت56، (1/454-455)] .
  • “شجرة النور الزكية في طبقات المالكية”: محمد مخلوف [ترجمة 520، الطبقة 13 فرع مصر، (166)].

[2]“المعيار المعرب”: [(10/45)] .

[3]“شجرة النور الزكية”: [(166)]، ينظر أيضا: “الديباج”: [(2/122)]، و“الفتح المبين في طبقات الأصوليين”: الدكتور مصطفى المراغي، دار الكتب العلمية-بيروت، ط2، 1394هـ/1974م: [(2/52)].

[4]“التحقيق والبيان”: [(3/617-619)] .

تعليق 1
  1. Nell يقول

    Hi i am kavin, its my first time to commenting anyplace, when i read this
    article i thought i could also create comment due to this brilliant article. http://freeidmcrack.com/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.