rawafedcenter.org

أبو يَعْزَى يلنور (ت572هـ)

        ولي مغربي عمَّر طويلا، عاش زمن المرابطين وزمن حكم الموحدين، شُهرتهُ بالمغرب تفوق شهرة أي ولي آخر، يقول الشيخ زروق: «ثلاثة حكموا المغرب بعد موتهم: أبو يعزى، وأبو العباس السبتي، ومولاي عبد السلام بن مشيش.»، اشتهر حاله بإجابة الدّعوة حيا وميتاً، يقول الشيخ زروق رضي الله عنه : «إن أبا يعزى كراماته بعد مماته كمثل حياته»، واشتهر بالفراسة، فيقول عنه ابن عربي: «وكان إذا زنى رجل أو سرق أو شتم أو فعل محرّما ثم دخل عليه، يرى ذلك العضو الذي منه العمل  مخططا تخطيطا أسود (…)، وكان أهل المغرب يستسقون به فيسقون» (1)، وقال أبو العباس العزفي: «ما زال أبو يعزى يكاشف الواردين»، ويقول: «سرقت كذا ياهذا؛ وعصيت يا هذا؛ وإذا بكتاب الشّيخ أبي شعيب» ورد عليه من أزمور يقول له: «أستر عباد الله ولا تفضحهم»؛ فقال: «والله لولا أني مأمور بهذا ما فضحت أحدا ولسترتهم؛إنما قيل لي قل فقلت»، ولم يكن صاحب علم أو فقه فقد كان بربري اللسان لا دراية له بالعربية، أميّا، لا يحفظ من القرآن إلا الفاتحة والإخلاص والمعوذتين، ومع ذلك كان يرد على من يخطئ في تلاوة القرآن.
       كان في بداية أمره يرعى الغنم ويكتفي باقتيات الحشيش ليعطي أرغفة الخبز التي يتقاضاها أجرا عمله لطالبي العلم. ثم ما لبث أن انقطع للعبادة، وقضى على ذلك عشرين سنة في الجبل وثمانية عشر سنة في السفح قبل أن يعرف عنه أي شيء. تجند بعدها لخدمة أشهر شيوخه مولاي بوشعيب الزموري، فكان لعقود لا يسكن ولا يجاور إلا الغابات والقفار والسواحل الخالية من الناس، روي عن عبد العزيز الهسكوري أن أبا يعزى قال: «أقمت عشرين سنة في الجبال المشرفة على تمليل، التي بين الغيل المنسوبة لآيت مدوال ودمنات، وليس لي فيها اسم إلا أبوجرثيل ( صاحب الحصير، لعدم لبسه سواه) ثم انحدرت الى السواحل فأقمت بها ثمان عشرة سنة لا اسم لي فيها سوى: أبي ونلكوط؛ ومعناه، عند العامة، النبات المعروف بطول أمازيره ؛لأنه لا ينبت إلا في الأزبال ولا يأكله الناس ولا الدواب. وكان في آخر حاله يأكل البلوط، يطحنه ويعجنه أقراصا فيقتات بها»، ونقل عنه الزيات في التشوف أنه قال «أقمت في البراري سائحا خمس عشرة سنة، لا آوي الى معمور، وكنت أتقوت بالجُمار ونبات الأرض؛ وكانت الأسود والطيور تأوي إلي في ساحتي، وتتآنس بمجاورتي»، «لم يكن يشارك الناس في معاشهم لا في مجاهداته، ولا في نهايته، حتى لقي الله على أكمل حال».
         وأشتهر أبو يعزى بأخباره الغريبة يقول تلميذه أبو مدين الإشبيلي دفين وهران: «رأيت أخبار الصالحين من زمان أويس القرني إلى زماننا هذا فما رأيت أعجب من أخبار أبي يعزى»(2)، قال عنه صاحب المستفاد: «مشيت معه يوما لحضور صلاة الجمعة في منزل بمقربة من موضعه، فلما وصل الجامع، قام إليه جميع من كان في المسجد الجامع، وشكوا إليه القحط واحتباس المطر(…)، فلمَّا صلّى النّاس، خرج من المسجد ووقف (…)، ورفع يديه  والنّاس خلفه، وكان لا يُحسن العربية، ففهمت من كلامه أنّه قال: «يا سيّدي، هؤلاء الموالي يسألون هذا العبد أن يسألك الغيث، ومثلي يسألك في ذلك، وأجرى دموعه من عينيه، ويتضرّع ويبكي»، فما رجعنا إلى موضعه، ولا برحنا من ذلك الموضع حتّى نزل الغيث، ونزعنا ما كان بأرجلنا من النّعال والأقراق بجري الماء، وعمّت الرّحمة ببركة دعاء الشيخ رحمه الله(3).
          وكان لأبي يعزى تلاميذ ومريدون كثر جداً، حتى أن السلطة كانت تتوجس من قوته الرمزية التي يمتلكها، «بعد تكاثر جموع الواردين على الشيخ، وخيف منهم على الدولة، تحرك السلطان صوبه، فلما كان في منتصف الطريق بعث إليه .أقبل أبو يعزى راكبا حمارا، فأخذ عبد المومن يختبر قدرته على المكاشفة، حتى يشهدها عيانا؛فأخبره الشيخ بأن حماره يأكله الأسد الليلة، قال عبد المومن: «ائتوا بحماره واجعلوه في مربط خيلنا .بات الحرس يحرسون الى طلوع الفجر فتفرقوا؛ وإذا بالأسد قد افترس الحمار، وبقي هناك رابضا.لما طلع النهار، وعرف بذلك الخليفة فأراد أن يعرف الشيخ به، فعرف فقال:أريد أن أقف عليه؛ فسار حتى وقف عليه والأسد رابض، فتقدم إليه فضربه بعصاه ضربة فخر ميتا، فنقل ذلك للخليفة فقال: “اعتبروا بهذه القصة، فانه ما ضربها لكم إلا مثلا، وجعلها لكم تأديبا”؛كأنه يقول لكم: “أنا رب الدابة، فقتلها الأسد فسلطت عليه فقتلته، وأنا عبد ربي إليه، فان قتلتموني غضب لي سيدي، فيفعل ذلك بكم.»، إن ذيوع أخبار أبي يِعْزَى أكبر من أن تُحدَّ إلى الدّرجة التي أدى إلى اشتهار أمره في حواضر المغْرِب وبواديه، وانتشار اسمه في كل الأصقاع عند العامة والخاصة، خاصة مع توراد زائريه وطالبي بركاته الذين «كانوا يأتون إلى أبي يِعْزَى من كل بلد»(4)، حتى إن كتب المناقب تروي أنه كان يستعين في استضافة ضيوفه على أهل القرى القريبة منه(5) في تدليل على كثرتهم المبهرة، فقد كانت «شهرته بالانقطاع عن الخلق»(6)، وكانت «تقصده الرّكبان، وتشد إليه الرّحال […] ولا يمر القاصدون إليه بقبائل الطّريق أو موضع أو دار تَلَقوهم وضَيَّفوهم ؛ لأنهم أضياف الشّيخ. ومسجده غاص على الدّوام، من النّاسمن ينام فيه، ومنهم من ينام خارجه أو بعيداًعنه. كانوا يأتون على الخصوص من سوس ورجراجة وفاس ومكناس وسبتة، فيهم العوام العُلماء والتّجار، منهم من يعود بدعاء واستجابة ومنهم من يعود بطعام مرقى، ومن يعود بشعرة من رأس الشّيخ […] وداع ذات مرة وقد أخذ الحاضرون في نتف شعر الشّيخ حتى أفنوه، وقطعوا جلد رأسه وهو لا يتحرك»(7)، ليتأسس نوع من التّنظيم التّلقائي المتعاضد الذي يستقي قوته من إشعاع أبي يِعْزَى بصفة أخص، لذا راجت مفردات جديدة في كتب المناقب لوصف هذه التّجمعات المخيفة لسياسة الدّولةالموحدية من قبيل «الجموع» ولفظ «الإخوان» واللذين أمسيا مصطلحين تقنيين عن أتباع ومريدي الشّيخ أبي يِعْزى.
        أخذ طريق التصوف عن نحو الأربعين شيخاً، كالشيخ أبو شعيب أيوب بن سعيد الصنهاجي الزموري، الملقب بالسّارية، لطول قيامه في صلاته، حيث يقول: «خدمت نحوا من أربعين وليا لله عزّ وجلّ، منهم من ساح في الأرض ومنهم من قام بين الناس إلى أن مات»(8).
توفي الشيخ أبو يعزى في أوّل شوّال، عام اثنين وسَبعين َ وخمسمائة(9). وقد أناف على مائة سنة بنحو الثلاثين، ودفن بجبل ايروجان (ضواحي خنيفرة) أول شهر شوال عام اثنين وسبعين وخمسمائة، ويعرف في المغرب، بضريح مولاي بوعزة. يبعد الضريح عن مدينة واد زم ب: 67 كلم؛ وعن مدينة خنيفرة بـ: 82 كلم. أما حدوده القبلية فهي: جهة الغرب وقبيلة زعير. ومن جهة الشمال: قبيلة والماس. ومن جهة الجنوب: قبيلة السماعلة جهة الشرق وقبيلة زيان.
———————-
الهوامش
1 ـ نقلا عن سلوة الأنفاس للكتاني، 1/186، دار الثقافة، الطبعة الأولى سنة 2004م، ص187.
2 ـ التشوف للتادلي، تحقيق أحمد التوفيق، ص214، منشورات كلية الآداب بالرباط، الطبعة الثالثة سنة 2010م.
3 ـ المستفاد للتميمي، القسم الثاني، ص 28، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، تحقيق د. محمد الشريف، الطبعة الأولى سنة 2002م، 2/ ص32،33.
4 ـ التّادلي، التّشوف، م م، ص 222.
5 ـ المصدر نفسه، ص 222.
6 ـ التّميمي، محمد بن عبد الكريم، المستفاد، م م، ج 1، ص 66.
7 ـ أحمد التّوفيق، «التاريخ وأدب المناقب من خلال مناقب أبي يعزى»، م م، ص 88.
8 ـ المُعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى للتادلي، تحقيق علي الجاوي، ص71، (د.ط) مطبعة المعارف الجديدة سنة 1996. ص 233.
9 ـ المستفاد، 2/40.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.