rawafedcenter.org

أحمد شحلان في محراب الرشدية

تقديم كتاب "تلخيص الأخلاق لابن رشد"

لا يمكن للمرء إلا أن يبتهج وهو يرى حلما تحقق، حلما طالما راود الباحثين في الرّشديات بخاصة، والباحثين في الفلسفة بعامة، وجمهور الباحثين المتشوفين إلى جديد الفلسفة الإسلامية بإطلاق. فقد دخل أحمد شحلان محراب الفلسفة الإسلامية قديما، وأخرج لنا أعمالا دفعت بالدّرس الفلسفي الرشدي، على الأقل، إلى الأمام، وإلا فإن إخراجه لكتاب بحي بن باقودا الموسوم”بالهداية إلى فرائض القلوب”، وكتاب المحاضرة والمذاكرة” ممّا وسّع النّظر في الحقل الفلسفي الإسلامي من خلال عيون الآخر القريب؛ “والآخر هو الأنا الذي ليس أنا”، إنه الذي يمنحك رؤيا أعمق لذاتك عندما تجده يبني ثقافته على أساس ثقافتك الإسلامية الأصيلة، ثقافة ثرّة وعميقة؛ ذلك حال اليهود مع المسلمين، وذلك ما جلاّه حال الأستاذ شحلان، وهو يخرج هذين العملين.

ولشدة عشق اليهود للثقافة الفلسفية في بلاد الإسلام احتفظ لنا تراثهم العبري بنصوص فقدت في لغتها الأصلية، نصوص نقرأ عنها في كتب الرّجال والطّبقات، لكن لا نجد لها أثرا ملموسا بيننا، إلا أنها استوطنت لغة أخرى استوعبت ما نبذناه، واحتفت بما قليناه، وضمت إليها ما طرحناه. وكان من آثار هذا الاستيعاب والاحتفاء والضم أن انتعشت الفلسفة في صفوف اليهود وماتت في بلادها الأصيلة، إلا بقايا أطلال وآثار شهدت على أن جذوة العقل فينا، نحن المسلمين، ظللت تردّد؛ تخفو أحيانا وتتّقد أخرى حتى أذن الله ببزوغ الفلسفة في ديار الإسلام في القرن العشرين.

احتفظ لنا الحرف العبري بابن رشد حيا، يتكلم كلاما خاصا وثقيلا على أسماعنا كما برز ذلك جليا في كتابه على جمهورية أفلاطون، مما جعل أحمد شحلان يقرر فرضية قوية في حينها تقول: إن هذا الكتاب كان من الأسباب الكبرى لنكبة ابن رشد، وسجل ذلك في مقالة قديمة وفي أطروحته للدكتوراه.

أخرج لنا الأستاذ المترجم والمحقق هذا الكتاب في إبرازتين؛ كانت الإبرازة الأولى تحت عنوان “الضّروري في السياسة”، ثم لما تبين له أن هذا العنوان لا ينطبق والعنوان الذي ارتضاه مؤلفه له، أخرج إبرازة أخرى ووسمها ب “جوامع سياسة أفلاطون” وهو الاسم الذي يظهر في السّفر السادس من التّكلمة عندما أورد عبد الملك المراكشي قائمة كتب ابن رشد. وبين الإبرازتين فروق منسوجة بمفارقات الغبن والاعتراف !!

لكن بهذه النشرة لكتاب “جوامع سياسة أفلاطون” سدّ الأستاذ أحمد شحلان ثلمة في حقل الدراسات الرشدية وتحركت آلة البحث في سياسة ابن رشد، وهي تعتمد نصا قويا ذا مصداقية علمية لا ينازع حولها، في انتظار أن تظهر المخطوطة الأصلية لنص ابن رشد السياسي. وكانت سنة 1998، الذكرى الثمانمئة لوفاة ابن رشد، سنة ظهور هذا الكتاب الذي كان في رأيي حدث السنة.

وبعد عشر سنوات، أتحف الأستاذ أحمد شحلان الدّارسين في حقل الثقافة الفلسفية الإسلامية بنص آخر لا يقل قيمة عن النص الأول؛ إنه “تلخيص الأخلاق لأرسطو” لابن رشد. لقد أثّر هذا النص الأرسطي في النظر الأخلاقي الفلسفي الإسلامي تأثيرا واضحا؛ فكتب أبو نصر الفارابي تلخيصا عليه، والتّلخيص مفقود. واستبطنه ابن سينا في كتاباته، وكان له أثر كبير على الغزالي في كتابه “ميزان العمل”. وكان وراء كتاب “تدبير المتوحد” لابن باجة بجهة معتبرة من النظر. وله في كتاب “حي بن يقظان” الحضور الجلي. لكن لم يفرده في الغرب الإسلامي بشرح على المعنى سوى ابن رشد، لحرصه على إتمام النّظر في الفلسفة العملية التي تتكون من جزءين؛ الأخلاق التي تحصي الفضائل، والسيّاسة التي تبحث عن سبل تثبيتها، بعد أن كان قد أتمّ النّظر في الفلسفة النظرية بشقها الطبيعي والميتافيزيقي وآلتها المنطقية، فضلا عن بعض الاهتمامات الرياضية والطبية، ونخرج من هنا الاهتمامات الفقهية، وإن كانت، بجهة من جهات النظر، تجد لها موطنا تحت أكناف الفلسفة العملية.

بذل الأستاذ أحمد شحلان جهدا كبيرا في إخراجه لكتاب “تلخيص الأخلاق لابن رشد”، فقد كان هذا الكتاب مفقودا إلا شذرات منه احتفظت لنا بها مخطوطة إسحاق بن حنين المحفوظة في خزانة القرويين، والتي اعتمدها عبد الرحمن بدوي في نشرته الشهيرة. وهي النّشرة التي غاب فيها عن بدوي التوفيق، إذ عرفت هنات كبيرة على مستوى إخراجها، حتى أصبحت تشكو من صعوبات جعلت الاشتغال عليها محفوفا بكثير من المخاطر العلمية. وقد استطاع الدكتور أحمد شحلان بترجمته للنّص العبري وتحقيقه له أن يُخلِّص نشرة بدوي من كثير من أعطابها. فأصبح النصّ واضحا كل الوضوح.[ًصص12 ـو 22ـ ــ 23]

فما المنهجية التي سلكها المحقق والمترجم من أجل إخراج هذا النص الفلسفي الأخلاقي الكبير؟

لا يمكن الحديث عن المنهجية قبل الحديث عن طول معايشة شحلان لنص ابن رشد، فقد كان الاهتمام قديما، حين اطلاعه، وهو يهيء أطروحته “ابن رشد والفكر العبري الوسيط” على “كل المخطوطات العبرية الرّشدية الموجودة في المكتبة الوطنية بباريس”، ومنها مخطوطة تلخيص أخلاق نيكوماخ لصمويل المرسلي. وقد حاد شحلان عن هذه الترجمة بعدما خبرها لأنها تختلف عن ترجمات أخرى لصمويل المرسلي وهي الترجمات التي تتقارب في ألفاظها ومعانيها وفي قصر جملها، متابعا في ذلك ما صنعه برمان في تحقيقه ومعتمدا على نشرته. على أنه لا يستبعد أن يقوم بترجمة وتحقيق نسخة باريس [ص 25] ربّما لأهميتها في فهم التّلقّي العبري لابن شد.

لكن لعل أهم صنيع صنعه الأستاذ شحلان أنه طمأن الدّراسين على أن مترجم النص العربي الرّشدي لكتاب الأخلاق إلى العبرية، صموئل المرسلي يتميز بالدّقة البالغة لـ”حرصه على مراجعة ترجماته، والبحث عن أجود المخطوطات الأصول، ووعيه أن النّقل مسئولية علمية لم يأل جهدا من أجل حملها والحفاظ عليها” ص 7، بل إنه هو نفسه قام ب”تقويم النص”ً8، وقد ساعده على ذلك “أنّ ابن رشد في تلخيصه، أخلاق نيقوماخيا، لم يعتمد أو يستشهد بالمعارف الإسلامية ..”ص8، مما أغنى المترجم اليهودي عن التدخل في النّص، كما هو شأنه في كثير من النصوص العربية الحافلة بالقرآن أو الحديث، أو بما سمّاه الأستاذ شحلان بـ”التراث الإسلامي المحض” ص 8، مما يؤثّر على الترجمة وينحرف بها أحيانا عن مقاصدها الحقيقية … وما ضاعف هذا الاطمئنان أنه قُيّض للنّص الرّشدي رجل له خبرة بالنصوص الفلسفية وقدرة كبيرة على الترجمة من أفضل النصوص العربية ومراجعاته المتكررة لترجماته. وقد خلّف هذا الرجل الذي كان ينتمي إلى طائفة “أهل النظر” من اليهود، كثيرا من التّرجمات تراوحت بين المجال المنطقي والسياسي والفلكي والطبيعي، وناهض بأعماله هذه العداوة لابن رشد حيث أسهم بعمله الكبير في “إصلاح الموسوعة العلمية التي كان ابن رشد يمثل فيها علما بارزا”ص9.

لقد حرص أحمد شحلان أن يُطمئن أولا جمهور المهتمين بالرّشديات خاصة، وبالفلسفة الإسلامية بعامة، أن المترجم “لم يكن عاديا، بل كان من أهل النّظر والتدقيق، وكان له أثره الكبير في طبقة متأدّبة اليهود الذين عانقوا الرّشدية وتحزّبوا لها، ومن الذين يعرفون أن التّرجمة عمل صعب يحتاج إلى الصّبر والبحث والتّأنّي” ص10.

وهكذا أدخل المترجم اليهودي، بعد 150 سنة من اهتمام ابن رشد بنيقوماخيا، الاهتمام بالأخلاق والسّياسة إلى الفضاء العبري ، فطوّر المصطلح العبري السياسي، وحفظ للمسلمين أثرا خالد من أثارهم.

اعتمد شحلان في ترجمته لنص ابن رشد على ل.ف. برمان L :V :Berman محقق النّص العبري، لإعادة نيقوماخيا ابن رشد إلى الحقل الفلسفي العربي بعد ضياع الكتاب المخطوط الأصلي لابن رشد، وقد أشاد شحلان بهذا التحقيق الذي نشر بعد وفاته، بعد مراجعة دقيقة له، رغم أنه لم يخل من أخطاء نبّه إليها أحمد شحلان في هوامش الترجمة [ص20].

ومما يثلج الصدر أن هذه الترجمة العبرية الجيّدة لصموئيل المرسي احتفظت لنا بتلخيص أبن رشد، بعدما حفظت لنا هوامش ترجمة إسحاق بن حنين فقرات عربية من التّلخيص الأخلاقي الرّشدي، لكنها مع الأسف لا تغني كثيرا. وإذا كان الدارسون يشتكون من غياب نص واضح لكتاب الأخلاق لابن رشد يُعتمَد اعتمادا لا يشوبه كبير قلق، كما عبّر عن ذلك بدوي في تقديمه للمخطوطة الفريدة في خزانة القرويين [ص18] وهي نشرة إسحاق بن حنين لكتاب الأخلاق لأرسطو، حيث اشتكى بدوي من اختلاف القراءات في المخطوطات اليونانية ومن قلق عبارة ترجمة ابن حنين والنّقص والطّمس الذي تعاني منه،، فإن أحمد شحلان يزف للدارسين نبأ سارّا يتمثل في أن الترجمة التي يقدمها للدارسين جاءت لسدّ هذه الثّلمة، فرفعت قلق النّصوص القديمة، وخاصة أن “النّسخة التي اعتمدها ابن رشد، هي نفس الترجمة العربية التي حققها بدوي”[12]. وهي التّرجمة التي كانت حرفية للنص الأصلي، ولم يكن ابن رشد، في قراءته لها يصنع شيئا سوى أنه يضيف شرحه بين فقرات نص أرسطو.[ص19].

عرض شحلان في مقدمته أهم ما جاء في مراجعة هارفي لتحقيق برمان قبل أن يقف عند مدخل برمان لتحقيقه، وهو مدخل يعجّ بنكت طريفة تساعد في فهم النّص، نكت تدل على عمق فهم لنيقوماخيا ابن رشد وأسطو على السواء، وفهم أكبر لمنهج المترجم اليهودي في إخراج النّص العبري للترجمة العربية لتلخيص الأخلاق لابن رشد، سواء من حيث استعماله للمترادفات، وعدم التزامه بلفظ واحد في الترجمة، وعمق فهمه للغة العبرية وعدم تمكّنه الكبير من اللغة العربية. ودعا برمان إلى العناية بالترجمة اللاتينية لأخلاق ابن رشد، التي قام بها في القرن الثالث عشر الألماني هرمانوس، وهي التّرجمة التي اعتمدها برمان في إخراجه للنص العبري، لأنها قرّبته كثيرا من النّص العربي الضّائع لابن رشد.

اعتمد شحلان نصّ برمان وأخذ بالاعتبار فروق النّسخ العبرية التي اعتمدها، وصحّح كثيرا مما فات برمان من المزالق التي وقع فيها صمويل المرسلي، كما نبّه إلى أوهام برمان التي وقع فيها إما انطلاقا من فهمه الخاص أو انطلاقا من قراءته للمخطوطة، كما اعتمد نشرة بدوي ونبّه على بعض أوهامه، وقارن بين نشرة بدوي وترجمة لطفي السيد، لكنه أهمل هذه الأخيرة لما فيها من تصرّف وعدم التزام بالنص، كما اعتمد قليلا النشرة الانجليزية لنقيموخايا ابن رشد، واستفاد من مقدمة المترجمين لها، كما اعتمد ترجمة تريكو لنيقوماخوس إلى الفرنسية والتي كانت معتمد بدوي ، لينهي عمله في ترجمة النص العبري إلى العبرية وتحقيقه بالعودة إلى النّص الإغريقي في المواضع الذي أشكلت عليه ليقدم نصا عربيا لتلخيص ابن رشد لكتاب الأخلاق هدية قيّمة للرّشديين في مطالع سنة 2018 بعد عشرة سنوات من “جوامع سياسة أفلاطون” الهدية الثّمينة التي سبق أن أتحف الرشديين بها في مطالع سنة 1998 من القرن الماضي.

لقد أسهم الأستاذ شحلان بالمجهود الذي قام به في تقريب التّلقّي العبري للفلسفة والثّقافة الإسلامية عموما، كما صنع في أطروحته الشّهيرة، وفي إخراجه لكتاب “المحاضرة والمذاكرة” و”كتاب الهداية إلى فرائض القلوب”، في تعبيد الطريق للدّرس العربي للثّقافة العبرية التي تعتبر الثقافة العربية الإسلامية ملاكها. كما أسهم بالمجهود الذي قام به لإعادة ابن رشد العربي إلى أهله بعدما اغترب سياسيا وأخلاقيا، في عودة وعي أهله بإسهاماته في بناء مآلات الدرس السياسي والأخلاقي انطلاقا من الاجتهادات الرّشدية في هذا السياق. فكان أن دخل محراب الرشدية من بابه الواسع.

ونحن نرجو أن يمضي الأستاذ الكريم في فك الغربة عن كثير من النصوص العربية المفقودة في أصلها العربي، كما هو حال تلخيص كتاب الأخلاق للفارابي، الذي توجد مقدمة عبرية له، أشار إليها الأستاذ شحلان في مقدمة كتابه، ونرجوا أن نراها قريبا بين أيدي الدّارسين، وما ذلك على همة الأستاذ الكريم بعزيز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.