rawafedcenter.org

إيفاريست ليفي بروفنصال وتاريخ الغرب الإسلامي

المدرسة الاستشراقية الفرنسية بالمغرب

كلمة لابد منها:

لعله من نافل القول التأكيد على أن المغرب ما يزال يرقد حتى أيامه هذه على ثروة تاريخية متراكمة ومهمة جدا، إذ بالرغم من كونه قد توقف في زمن ما عن صناعة التاريخ والفعل المؤثر فيه، وصياغة دروبه ومساربه، ليأخذ دوره، كما العديد من التجارب الشبيهة به، ليصبح بدل ذلك نموذجا لانحطاطه، ضمن سنن قانون ابن خلدون في سطوع الحضارات ونكوصها وخنوعها التاريخيين(1)، إلا أن هذه الثروة المغربية المُخَدَّرة التي وضعت ضمن رفوف عكّرت صفو هدأةِ تناسيها الرطوبة القاتلة أو سرقات تمت بليل، لا أحد إلى الآن يهتم بالكشف عن بصمات فاعليها، ولا أحد سعى أو يسعى للمطالبة باستعادة ذخائرها، أو حتى الاشتغال عليها، فألبست هذه الثروة قمصان سبات أكاديمي شل حرارة علاقتنا بها، وأنسانا مهمتها العميقة في صون الذات وفي ترويض الذاكرة وربطنا بماضينا التليد، ليصبح شيئا فشيئا مع هذا وعينا بالتاريخ وعلاقتنا به وعيا مفزعا لا ينفك يتسطح وينحو بنفسه إلى هامش الحياة، فلا فعل له ولا تفاعل لنا معه، مبتعدا بنا بشكل هو الأكثر فجاجة عن هذه الشحنة الوجدانية التي تهب الإنسان عمقه وتسيج له هويته وتحميها، وهي تلك الثروة التاريخية التي صادرت بعضها مكتبات عالمية لم نبدل أي جهد لحد الساعة لاسترجاعها، أو حتى لفهرستها، وصدّر بعضها لصوص المخطوطات من غير العالمين بقيمتها منا ومن المفتونين بها من مستشرقين وهواة جمع الذخائر والنوادر، وصادرت ما تبقى منها مقررات فاشلة تكيف تواريخنا بحسب دروس لا أهداف وطنية لها كما لا وسائل ولا مناهج.
إن امتيازنا الوحيد وثروتنا الوطنية المتميزة ربما هي هذا التراكم التاريخي الذي لا يريد له البعض أن توضع له وظيفة محددة في حياتنا وفي تشكيل وتصويب وعينا التاريخي بنا، وتكون له مكانة في إدارة مستقبلنا وفهم ماضينا، ليصبح وضع هذا التراكم بيننا الأكثر رداءة والتباسا وغموضا، غير عَانٍ لنا أي شيء لربما، خاصة مع وضع هذه الثروة غير المميز ولا المتميز في مقرراتنا ومناهجنا الدراسية، المفتقدة هي الأخرى للوجهة والوظيفة والوسائل والمؤهلات والكفاءات، المعلنة في إفلاسها عن الذوق الرديء الذي أمسى يميز ثقافتنا في كل شيء، فهوية المواطن لا يمكن أن تحفظ في الحاضر دون الثقل الذي يهبها إياه الماضي، فوهن الحاضر وأمراضه وهزائمه لا يمكن مداواتها إلا بجرعات التاريخ التي بقدر ما يجب أن تثقل مخيالنا الجمعي، وتشرئب به إلى صنع انتصارات من طينة ما كان، بقدر ما لا يجب فيها ألا يَلْقى ويجد فيها راحة خالدة مَرَضية قد تصيبه بحمى الماضي التي قد تقوده إلى الاحتفاء بنفسه فقط، وتمجيد ذاته دون البقية.
إنه ومما لا شك فيه التنبيه إلى كون أنه لا إمكانية للعيش من دون ذاكرة وماض، إذ دونهما بالتأكيد سنستسلم لمقصلة النسيان، وسنُسَلّم أنفسنا في ما سيأتي من أيام المستقبل فريسة لهذا النسيان السيئ المذاق والتخيل، فإما أن نصل الحلقات بالحلقات، ونبني الجسور الرابطة مع أحياء كانوا قد وجدوا قبل أن يصبحوا غائبي التاريخ، أو فلنغفر ولنغتفر لمن سيأتون بعدنا قصهم لشرائط ذكرانا وتغييبنا عن وعيهم، رغم أنه لا وجود لإنسان دون هوية، الهوية التي هي نتاج ومحصلة لسيرورة معقدة وطويلة المدى في التاريخ البعيد أو القريب الذي كانه من سبقنا، وسنكونه لمن سيلحق بعدنا.

رغم أن الذي يتبدى عليه الاستشراق ككل أول ما ينظر إلى ملفات عمله هو أنه عبارة عن عمل بحثي وحفر معرفي جينيالوجي في كل ما يتعلق بالآخر المشرقي، غير أن جل الدراسات الاستشراقية التي نسلت عن جملة من المستشرقين لم تخرج وبشكل دائم ومتكرر ـ إلا من استثناءات بسيطة ـ عن دائرة الأحكام والتصورات المسبقة في تعاملها وتصوريها للإنسان المغربي ولتاريخه وثقافته، فكانت صورة المغرب والإنسان المغربي في الأدبيات الاستشراقية الفرنسية تنحو إلى التصورات الجاهزة سلفا والمتداولة أنذاك والإسقاطات السيكولوجية بين فئة مهمة ممن كتبوا شيئا عن المغرب، ومع نهاية القرن التاسع عشر أخذت الدراسات والأبحاث الاستشراقية الفرنسية تتجه نحو أن تكون دراسات علمية أو على الأقل تزعم لنفسها ذلك وتدعيه، يتساوى في هذا المدرسة الاستشراقية الفرنسية بالجزائر وكذلك البعثة العلمية في المغرب، التي ستصير لها مؤسسة علمية كاملة مقيمة في طنجة، ليصير كل حديث عن المغرب وتاريخه الذي مضى يتم عن طريق قناة واحدة هي قناة الاستشراق، ومن منطلق السلطة العليا (hyper-pouvoir) لوجهة النظر التي ينتجها الدارس المستصحب للبعثة العسكرية الاستعمارية، فتمت الهيمنة على ساحة الكتابة والبحث والثقافة عن طريق غزارة الإنتاج التأريخي الذي كان يتم عبر إصدار الكتب والدوريات والحوليات والنشرات والتحقيقات المتعددة للتراث المخطوط المتعلق بالمغرب والأندلس في التصوف والتاريخ والأدب والفقه، فكان من بين هؤلاء روني باسي، وولدين أندي، وهنري باسي، وديستان، ودوتي، وجورج ماسي، ووليام مارسي، وإيميل لاووست وغيرهم ممن استهوتهم مهمة البحث في التراث الثقافي للمغرب والجزائر ليخلفوا من ورائها بحوثا مرجعية تتمايز من حيث الموضوعية والأكاديمية في مقارباتها من حيث تداخل ما هو علمي بما هو استعماري في معالجة ما يهم حضارة وتدين وتاريخ وفن أهل هذه المنطقة.
لقد ارتبط مسار ليفي بروفنصال ضمن نطاق عمل هذه المدرسة الاستشراقية، وليرتبط أكثر بالعمل مع الاستعمار الفرنسي، عسكريا وإداريا وعلميا، فمع نشوب الحرب العالمية الثانية تم تجنيده في صفوف الجيش الفرنسي ليشارك في معارك الاستعمار، وليكلف بمهام شديدة الخطورة في كل من دمشق والمغرب ومصر والجزائر من لدن الاستعمار الفرنسي، وسيخر جريحا في معركة الدردنيل، وعهد إليه بقيادة موقع في وادي “ورجلة” بالريف المغربي، ليعين بعدها في مركز الدراسات المراكشية في الرباط الذي أسسه الجنرال ليوطي الذي شكل معه المغرب حقلا أو مختبرا جيدا، لدراسة العلاقات المريبة التي لطالما طبعت العلاقة بين السوسيولوجيا الاستعمارية والسياسة الأهلية، وتصور الفرنسيين للمغرب (2)، وفي سنتين من الدراسة حصل على شهادة الدكتوراه، وسيؤسس سنة 1954 مجلة “أربيكا” التي ستغدو مجلة علمية عن العلوم العربية والإسلامية، وستتكاثر دراسته التأريخية عن المغرب والأندلس، ليكون في جمعه بين العمل الإداري والعسكري والبحثي شبيها في مساهماته بهردر، وماكيافللي، وغيزو وكل هؤلاء الذين لطالما تنازعت حيواتهم الإدارة والسياسة وهم إيقاظ الوعي التاريخي عند شعوبهم، من خلال دوره الذي لا دخل لنا في مقصديته في تجهيز وعي القارئ العربي والغربي المهتم بتاريخ منطقة الغرب الإسلامي بذاكرة ثقافية موسوعية تهم التعريف بالمصادر الثقافية والدينية للمنطقة، ليحالفه ويقوده التوفيق والهداية لخدمة تراث الغرب الإسلامي أكثر من خدمة الاستعمار الفرنسي للمغرب والجزائر، أو على الأقل فإن الحكم على حياته بتنوع الخدمات التي قدمها للاستعمار الفرنسي تختزن من ورائها تكاملا ما بخدمة التراث العربي من حيث يدري أو من حيث لا يدري (3)، نعم لقد كان عمل شطر صالح من المستشرقين يخفي من خلفه وبصورة وافية تلك العلاقة المريبة والانتساب غير البريء الذي يصعب الفصل بين مكوناته، والذي يجمع بين عوالم الأفكار والأبحاث من جهة والسياسات الاستعمارية ومحاولات استغلالها عسكريا، فكانت الجامعة مجالا يلوذ به المستعمر من أجل الحصول على خبراء وإنتاج معرفة قد تستثمرها القوة العسكرية في فتوحاتها أو في ضمان سياسة سهلة التوغل ودونما خسائر وانتفاضات قد تعيق هدف الاستعمار الحقيقي،
ولم تَنْهى مرتبة بروفنصال الأكاديمية كأستاذ جامعي بالسوربون وباعتباره مستشرقا كبيرا أن يتقدم بكتب مدرسية ذات طابع بيداغوجي تعليمي منهجي وذلك في كثير من تآليفه، دافعا له في ذلك ربما الرغبة في التأسيس للدرس التاريخي عن الغرب الإسلامي، لشعوره بحالة الفراغ التي تعرفها التآليف التاريخية المغربية في المجال والتي كانت ما تزال متمسكة بتقاليد مؤرخي الطبقات والتراجم التي تهيم بنزوعات التقليد والاجترار، دون أن تنتقص صفة المدرسية من أعماله ولا دون أن تقدح فيما قدمه، فهو من خلال كلا التجربتين في الكتابة أعاد بشكل من الأشكال جانبا من التراث المغربي والأندلسي إلى الحياة الأكاديمية.

————————

(1) – لا يفتأ ابن خلدون ينبه إلى تلك العلاقات الوشيجة الصلة بين فساد العمران وسوء حال معمريه، وبين فساد مزاج الكتبة وفساد طرائق الكتابة وصناعة التأليف والتصنيف، ومساوئ المعرفة بالتاريخ، ليسود الاختلال كل شيء، فيختل قلم الكتابة، فعندما ينادي لسان الكون بالخمول والضمور تبادر صناعة التأليف بالإجابة، لينحط الأسلوب وينقلب أرباب الأقلام إلى أرباب بخور وأزلام، فيغدو بقدرة قادر الرّف الذي كان عامرا بالكتب إلى خم دجاج وفراخ، يقول الحسن الوزان واصفا حال أحد القصور الموحدية التي صار: “يعشعش فيها الحمام البوم والغربان والبستان الذي كان من قبل في غاية البهجة، أصبح اليوم مزبلة للمدينة، والقصر الذي كانت فيه خزانة الكتب استعمل جناح منه للدجاج وآخر للحمام، وأصبحت الخزانات التي كانت توضع فيها الكتب أقفاصا لهذه الطيور.”الحسن الوزان، وصف إفريقيا، ج.1،ص.101.
(2) – إدموند بورك، صورة الدولة المغربية في الأدبيات الإثنولوجية الفرنسية: رؤية جديدة حول أصل السياسة البربرية لليوطي، أمل: التاريخ، الثقافة، المجتمع، ع. 3, 1993, الدار البيضاء، 1992، ص.91.
(3) – لا يمكننا أن نتدخل هنا في الحكم على نوازع الخير والشر التي تقاذفت برغبات المستشرقين في بيان حقيقة عملهم لخدمة التراث العربي وفي التعرف على صفاء نياتهم، منساقين وراء غواية الأحكام المسبقة التعميمية حول جمع المستشرقين، إذ يبقى التعميم مسيئا ومتعذرا، رغم اعتراف الكثير منهم بلا أخلاقية مهامهم، يقول ألفريد بلينت في أحد رسائله لصديق مصري: “إحذروا منا فإننا لا نريد لكم شيئا من الخير، لن تنالوا منا الدستور ولا حرية الصحافة ولا حرية التعليم ولا الحرية الشخصية، وما دمنا في مصر فالغرض الذي نسعى إليه من البقاء فيها هو أن نستغلها لمصلحة صناعتنا القطنية في مانشستر وأن نستخدم أموالكم لتنمية مملكتنا الإفريقية في السودان”، ثم قال: لم يبق لكم عذر إذا أنتم انخدعتم فى نياتنا بعد أن وضح الأمر فيها وضوحا تاما، فاحذروا أن تنساقوا إلى الرضى باستعباد بلادكم وتدميرها.” (بيل أشكروفت، وجاريث جريفيث، وهيلين تيفين، دراسات ما بعد الكولونيالية – المفاهيم الرئيسية، ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان، تقديم كرمة سامي، المشروع القومي للترجمة؛ 1681، ص.7.)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.