rawafedcenter.org

الدراسات الإسلامية في الجامعة المغربية:

متابعة لمحاضرة الدكتور بن حمزة في جامعة ابن طفيل

 

ضمن أعمال ندوة “الإنسان في العلوم الإسلامية“، التي نظمتها شعبة الدراسات الإسلامية ومختبر العلوم الشرعية والبناء الحضاري بجامعة ابن طفيل يومي الأربعاء والخميس 25- 26 أبريل الفارط، والتي عرفتها رحاب كلية الآداب بالقنيطرة، وفي المحاضرة الختامية التي حضرها السيد عميد الكلية ورئيس شعبة الدراسات الإسلامية وأساتذتها؛ استهل الدّكتور مصطفى بن حمزة؛ رئيس المجلس العلمي لوجدة، وعضو المجلس العلمي الأعلى، محاضرته بحديث لا يخلو من أهمية.

لقد انصب كلام المحاضر على مدى الدور الذي يجب أن تضطلع به شعبة الدراسات الإسلامية، إضافة إلى أهمية حضورها في الجامعة المغربية. هذه الأهمية التي تزداد- بحسبه- اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ لأن الحاجة ماسة إلى مقاومة موجات التّدين الخاطئة من جهة، وموجات اللاتدين من جهة أخرى، إنها باختصار فرصة لتسديد فرص الإسلام الوسطي ليعيش وينمو في وسط معرفي آمن وقادر على مواجهة التحديات الكونية التي تطرحها العولمة، خاصة وأن المسلمين أنفسهم صاروا جزءا من المشكلة، فكثير من أفكارهم انتهت وبشكل مقزز وغريب إلى تنمية مشاعر الاحتراب وفتن التّنازع. الأمر الذي يستدعي مزيداً من المراجعة، وكثيراً من التّأمل للإحاطة بهذه الدّراما التي صار إليها الإسلام على يد أتباعه وأعدائه على حد سواء من حيث تحمل المسؤولية.

بصفته واحداً من العلماء المغاربة، وتوليه مناصب مهمة في المؤسسة الدّينية الرّسمية، لم يفوت الدّكتور بن حمزة الإشارة إلى أهمية الوحدة الدّينية التي تعبر عنها الاختيارات المذهبية المغربية المتجلية خاصة في الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية التي لم تأت من فراغ، ولم تصدر عن إرغام سياسي، وإنما تمت بوعي جمعي أساسه النّظر الثّاقب الذي كان لدى فقهاء المغرب عبر التاريخ، وذلك حتى تحقق لنا هذه الوحدة، ذاك الانسجام والضّبط الإيجابي لمسار الحياة في المغرب، بشكل تلقائي عفوي، ومقبول لدى المجتمع، وهو الأمر الذي صار إيماناً راسخاً لدى النّاس اليوم في كل مكان، و في المقابل، فإن إلغاء مثل هذه المعطيات معناه تعريض البلد للمجهول وإلى نتائج وخيمة على الدّين وعلى السّياسة.

وقد مضى الدكتور بن حمزة في إرسال رسائله ذات الأهمية إلى المشتغلين بالدراسات الإسلامية؛ إذ حرص على تنبيه المشتغلين بالدّراسات الإسلامية إلى أن الأمر لا يتعلق فقط ببرنامج رسمي ينتهي بشهادات يحصل عليها المتخرجون في كل سنة، بل إن الأهم أكبر وأعمق من هذا المسار الأكاديمي؛ إذ أن هناك برنامجا آخر يوازي البرنامج الرّسمي، وهو برنامج ينبغي الاشتغال به ومراعاته وتنبيه الطلبة إليه، ألا وهو الاهتمام بمصالح الأمة والتّعرف القريب على همومها ومشكلاتها الراهنة.

عرج الدكتور بن حمزة بعد ذلك، على موضوع المعرفة الإسلامية، ليقرر أن مشكلات هذه المعرفة التي تعاني منها اليوم، والتي على كثرتها وتنوعها، فيمكن إرجاعها إلى أمرين مهمين يقتسمان مهمة الإضرار بمنزلة هذه المعرفة و بدورها التربوي والمجتمعي، وهما:

  • غياب المعرفة الشّرعية المؤصِّلة للحقائق، الشيء الذي يستدعي شروطاً في غاية الصّرامة تتنوع بين ما هو ذاتي، وما هو موضوعي في بناء شخصية العالم القادر على إنتاج هذا النّوع من المعرفة.
  • إغفال أساس مهم من أسس التّفكير الإسلامي السّليم؛ وهو أن العقلية الإسلامية الحقيقية ليست فكر أشخاص.

تشخيص الأمراض التي تنهك جسد هذه المعرفة، وتمنع المشتغلين بها عن مواكبة الأحداث الكونية، هو الطريق نحو تقديم وصفات العلاج، وهذا هو الحل الذي يقدمه بن حمزة على الأقل في الموضوع الأقرب إليه، وهو الفقه وفهم النصوص الشّرعية، من أجل إحياء العلوم المؤصِّلة، وليس القصد عنده غير أصول الفقه.

فكما أن المعرفة الظّاهرية للنصوص الشّرعية الرّافضة للمذهبية الفقهية ذات الأصول العلمية المعتبرة غير مجدية في الوصول إلى واقع فقهي مناسب، فإن القراءات الحديثة المستندة إلى الحرية في التأويل والهرمنوطيقا، هي الأخرى تبقى غير مجدية أيضاً في كثير من الأحيان، لاسيما إذا كانت بدوافع غير معرفية صرفة وخالصة. حيث يبقى الاستنجاد بالحرية في قراءة النّص الدّيني غير كافية في ظل افتقاد شروط الاجتهاد المعتبرة، فضلا عن كونها سبباً في إيقاظ بعض الأصوات، التي على الرّغم من تحمسها للفكرة الدّينية، فإنها تفتقد لآليات الحوار والتّحاجج العلمي، مما يجعل المجتمع تحت رحمة تقاطبات غير مفيدة على الإطلاق لا تعود بالنفع على المجتمع ولا على الدّين.

واختتم رئيس المجلس العلمي لوجدة المحور الأول من محاضرته بتحميل الدّراسات الإسلامية مسؤولية كبيرة إن هي رغبت في أداء أدوار الفعالية في مجالها، مؤكداً على أن كل ما يثار في السّاحة اليوم هو من أسئلة الدّراسات الإسلامية وليس هناك من يتحمل وزر هذا الفراغ إلا “نحن”؛ في إشارة إلى أساتذة الدّراسات الإسلامية في الجامعة المغربية. وحتى مع وجود بعض الأفكار والمفكرين الذين يفتقدون أحيانا لبعض أدبيات المناقشة بهجومهم المباشر على النّصوص، فإن ذلك لا يعفي المشتغل بالدراسات الإسلامية من مناقشته ومجادلته بالأسلوب العلمي، والخلق الإسلامي، بعيدا عن أساليب السب والشّتم والتّسفيه التي لا تزكي إلا طرح الفراغ  وعدم القدرة على المواجهة الفكرية والعلمية المطلوبة.

ولم تفت الدّكتور بن حمزة الإشارة إلى ضرورة انفتاح أهل الفقه في الجامعة المغربية على العلوم الإنسانية والفلسفة واللّغات الحية، وعدم الانحباس ضمن التخصصات الضيقة الأفق، ليمكنهم تنويع مدركاتهم و إغناء رصيدهم وإحاطتهم بما يكتبه الآخرون. فعالم يفتقد لهذه الجوانب من المعرفة لن يفيد أمته كثيراً في عصر الانفتاح الرقمي والعولمة وتجاور الحضارات، بل سيكون مثبِّطاً لأي تقدم نحو الأمام، وربما معيقاً لتقدم الفقه نفسه ومن ثمة لتقدم الأمة.

في المحور الثّاني من مداخلته؛ انتقل إلى صلب الموضوع وهو الإنسان في الثّقافة الإسلامية، حيث اعتبر أولاً أن الثّقافة الإسلامية في جوهرها هدفها الإنسان، فلقد آمن الإسلام أساساً بأن للإنسان قوة وقدرة، بخلاف كثير من الثّقافات الأخرى. وانطلاقاً من حديث “أصدق الأسماء حارث و همّام”؛ نفهم ماهية الإنسان وهويته في الإسلام، أنه “حرث”؛ أي حيوية  وعمل، و”همَّة”؛ أي ذو إرادة وحرية.

ثم انبرى بن حمزة إلى عرض الحكم القرآني على الإنسان الذي لاحظ أنه موضوعي إلى حد بعيد، حيث لم يكتف بإظهار الجانب الظّالم في الإنسان دون الخير، كما أنه في جانب التكليف الإنساني راعى جانب البشرية الحيوانية فلم يكن ذلك في ظل الإسلام حائلاً دون بلوغ الإنسان مراتب روحية عالية، فكان الإسلام أكثر  واقعية.

لقد لاحظ الأستاذ بن حمزة في خلال محاضرته أن دفاع الإسلام عن الإنسان غير خفي على من تأمل النّصوص القرآنية والأحاديث النّبوية، كما أن الفقه الإسلامي غني بالمواقف والإشارات الدّالة على الالتفات للإنسان في كثير من جزئياته، فليس نظام الكفارات المتضمن لتحرير العبيد والإطعام، وغير ذلك إلا التفات للإنسان، ناهيك عن نظام الصّدقات والزكاة الذي هو نظام لصالح الإنسان جملة.

وإن كان الفقه الإسلامي دائرا بالأساس حول أفعال المكلفين، فإن جانبا مهما من هذا الفقه تعرض للإهمال ولم يحظ بالاهتمام الكافي، وهو المتعلق بحقوق الإنسان، وخاصة في كتب النوازل التي اختص علماء الغرب الإسلامي بتحريرها والتأليف فيها، وضرب لذلك مثالاً كتاب النّوادر والزّيادات لابن أبي زيد القيرواني وشرح الشوشاوي السّوسي على القرافي، كما كتاب مواهب ذي الجلال في نوازل بلاد السائبة والجبال لمحمد بن عبد الله  الكيكي(ت. 1185هـ.) والذي نشره الدّكتور احمد التوفيق يُعد جهدا متميزا للفقهاء المغارية في دفاعهم عن حقوق المرأة .

تعليق 1
  1. د. يوسف البوعيدي يقول

    جميل، متابعة جيدة لمحاضرة جيدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.