rawafedcenter.org

الفكر الكلامي في الغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري

موضوع أطروحة نوقشت بدار الحديث الحسنية بالرباط

شهدت رحاب مؤسسة دار الحديث الحسنية، التابعة لجامعة القرويين، يوم الإثنين 29 أكتوبر 2018، مناقشة أطروحة دكتوراه في العقيدة وعلم الكلام، تحت عنوان: “الفكر الكلامي في الغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري القضايا والمنهج والخصائص” تقدم بها الباحث امبارك بوتمنت.

لقد ظل الحديث عن علم الكلام في الغرب الإسلامي إلى وقت قريب جداً ، كما جاء في تقرير الباحث، مشوباً بالكثير من الغموض، بل لم يخلُ أيضاً من كثير من التشويش المتمثل في الأحكام القيمية المطلقة التي بخست علماء الغرب الإسلامي حقَّهم؛ حيث استنتج بعضُ الباحثين نتائجَ مجانبةً للصَّواب، وعاريَّة عن الموضوعية؛ منها أن َّهذه المنطقة لم تحظ بما حظي به المشرق من خلاف كلامي، ومناظرات وتنظيرات كلاميَّة، وأنَّ كثيراً من الفرق الكلامية لم تجد فيها أرضاً خصبةً لأفكارها، فبقيت بعيدةً عن المشاركة في تطوُّر الفكر الكلامي عامة. ومن أحكامهم غير الموضوعية كذلك، أن بنوْا على مقدمتهم الفاسدة نتيجةً غير واقعية؛ وهي أن متكلمي الغرب الإسلامي اكتفوا بتقليد أشاعرة المشرق، نافين عنهم أيَّ أصالة وأيَّ إبداع، مع أنَّ علماء هذه المنطقةِ قد أبدعوا في هذا العلم، وأسهموا طيلةَ تاريخ الإسلام في بناء الحضارة الإسلاميَّة، وطبعوا الثقافة المغاربية – عموما – بطابع متميِّز. وهذه الحقيقة هي التي بدأت عناصرُها تجلو، منذ أن بدأت جملةٌ من مؤلفات متكلِّمي هذه المنطقة تُحَقَّق، وتخرج إلى الوجود. وهذا المعطى الجديد كفيل بأن يجعل الدراسات في هذا الحقل تعيد النظر في تلكم الأحكام، وتبني مكانها أحكاماً أخرى تنشد العدل والإنصاف.

ويمكنُ إجمال مضامين الأطروحة التي حاول الباحثُ معالجتَها في الأسئلة الآتية:

هل يمكن الحديث عن علم الكلام في المغرب والأندلس؟

هل ثمة مؤلفات كلاميَّة مغربيَّة؟

ما هي المعالم المميِّزة والمحددة لهذا العلم في هذه المنطقة خلال القرن السادس الهجري؟ وما هي إضافات علماء هذه البلاد، وإسهاماتهم في علم الكلام عامّة؟

ولمزيد بيان لإشكالية البحث، فرَّعها الباحثُ إلى عنصرين: الأوّل: عنصر زماني: يحصر مجال البحث في القرن السادس الهجري؛ يرى الباحثُ أنَّها مرحلة حاسمة، ومفصليَّة في مسار الفكر الكلامي في الغرب الإسلامي؛ حيث شرعت المدرسةُ الأشعرية المغربية في وضع أسسها ومناهجها. أمَّا فيما يخص العنصر الثاني فهو ذو بعد معرفيٍّ بالأساس؛ ويتمثل في سؤال الخصوصية التي يتميَّز بها علمُ الكلام بالمنطقة، وقد فصَّلها في الأسئلة الآتية:

ما هي طبيعة هذه الخصوصيَّة؟ وما هي مجالاتُها الكلاميًّة؟ وكيف تعامل معها العلماء حينئذ؟! وبعبارة أوضح: هل حاول علماءُ الكلام في الغرب الإسلامي الخروجَ عن علم الكلام المشرقي والاستقلالَ عنه؛ ومن ثمَّ الحديث عن التأليف الكلامي، بدلاً من التأليف فقط في علم الكلام؟ هل يمكن الحديث عن نوع من التَّجديد في هذه الحقبة؟ وكيف يُفهم النَّقد الذي وجَّهته المدرسةُ الرُّشديَّة لعلم الكلام الأشعري، ولأشاعرة هذه المنطقة على وجه التحديد؟ وهل هناك من آثار لهذا النَّقد على المدرسة الكلامية الأشعرية المغربيَّة في من أتى بعد أبي الوليد؟ وما تفسير ثورة المنصور الموحِّدي ضد كتب الفروع والمسائل؟

تلكم بعض الإشكاليات، والتساؤلات التي أوحت للباحث بموضوع بحثه.

ويمكن تلخيص مضامين الأطروحة في النقط الآتية:

– التقديم للبحث بمدخل تمهيدي في ثلاثة مطالب، خصَّص الأول للتعريف ببعض المصطلحات الواردة في عنوان البحث، وهي: الفكر الكلامي، الغرب الإسلامي، القضايا، المنهج، الخصائص. وأما الثاني فقد خُصِّص للمنطقة الجغرافية المعنيَّةِ في البحث؛ وهي المغرب الأقصى والأندلس، تعريفاً بها وبدلالاتها التَّاريخية. وأمَّا الثالث فقد أشار فيه الباحثُ إلى مراحل دخول الإسلام إلى المغرب الأقصى، وقبوله ديناً من قِبل سكَّان المغرب، وصاحب هذا الفتحَ حلولُ أفواج من العرب في هذه المنطقة، حاملين معهم ثقافات متنوِّعة، وأفكاراً شتَّى. وبدأتْ مذاهبُ فكريَّة وعقديَّةٌ وفقهيَّة تحطُّ رحالَها بالمغرب منذ القرن الثاني.

أشار كذلك إلى رحلة المغاربة جهة المشرق، للحجِّ ولطلب العلم، حيث صار المشرق وجهةَ كثيرٍ من طلَّاب العلم، بعد أن كانت الرحلةُ قد اقتصرت على أداء مناسك الحج. ورد في المدخل أيضاً ذكرُ الحال الذي كان عليه الفكر في عهد الدولة المرابطيَّة؛ حيث مرَّت عليه فتراتٌ من الرٌّكود والجمود، وكانت هذه الفترات بمثابة امتحان عسير لبعض العلماء الرَّافضين لهذا الوضع، ومنهم صِنف تمَّ تهميشُه والتَّضييق عليه؛ ويتعلق الأمر ببعض المتكلمين على المنهج الأشعري خاصَّة. وقدم البحث تشخيصاً لهذا الواقع، اعتماداً على ثلاثة نماذج، اتفقت جميعُها على رفض الواقع السَّائد، فدعوا إلى التجديد ونبذ التقليد. وهذه النماذج هم ابنُ عبد البر، وابنُ حزم، والباجي. فهؤلاء هيأوا الجوَّ للاجتهاد، وأوجدوا له البيئة المناسبة، لكن عقلية النَّاس في تلك الحقبة لم تستعد بعد لبعث هذه المبادرة والنُّهوض بها. ثم ختم المدخل بسرد مجموعة من الأعلام، ينتمون كلُّهم إلى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، كان علمُ الكلام من ضمن اهتماماتهم وتخصصهم، وقد لاحظ الباحثُ – وهو يدرس سيرَهم – أنَّ جميعهم أشعريُّون، فقدَّم تفسيراً لذلك وتعليلا.

– عالج الباحثُ في فصلي الباب الأوَّل من البحث ومباحثه بعضَ القضايا والأحداث التي جرت تفاصيلُها في القرن السَّادس الهجري، ومن تلكم القضايا:

ـ قضية إحراق كتاب ‘إحياء علوم الدين’ للإمام أبي حامد الغزالي وكتبه الأخرى، وتأكَّدت بأنَّ أمر الإحراق اختلط فيه السياسيُّ بالإيديولوجيُّ….

ـ قضية فتوى ابن رشد الجد حول علماء الكلام الأشاعرة، وحكم الإسلام فيهم. فدراسة هذه القضيَّة أظهرت للباحث بأنَّ أمير المسلمين عليَّ بن يوسف لم يكن هو من يحارب الفكر الأشعري، بل من يحاربه هم بعضُ الفقهاء…

ـ ظهور المهدي ابن تومرت وقيامه ضد المرابطين، وكان أول ما قام به بعد إعلان دعوته وخروجِه على سلطة المرابطين، تأليف رسائل في العقيدة، يشرح فيها عقيدة “الموحِّدين” لأتباعه، ويُلزمهم على حفظها والعمل بمقتضاها. فكان هذا العملُ إيذاناً للشُّروع في ترسيم المذهب الأشعري منهجاً في العقيدة للمغاربة….

ـ قضية القبلة في مساجد مراكش، وامتناع الموحدين من دخولها؛ لانحراف مساجدها على القبلة. وتوصَّل البحثُ إلى أنَّ هذه القضيَّةَ، إنْ وقعت، – مع تبني الباحث الشكَّ في وقوعها – لن تخلو من ثلاثة أمور، بيَّنها في البحث بتفصيل…

ـ قضية إحراق كتب فروع الفقه المالكي، من طرف يعقوب المنصور الموحِّدي، وتفسير ذلك من قبل بعض المؤرِّخين، ومَن تبعَهم من الدَّارسين بأنَّه يميل إلى المذهب الظاهري. والبحث إذْ درس هذه الواقعة بكلِّ حيثياتها، ومن شتَّى جوانبها، بتجرُّد وموضوعيَّة، وبالاستعانة بمختلف النُّصوص الواردةِ في الموضوع، توصَّل إلى نتيجة مهمَّة، مفادها أنَّ الخليفةَ المنصور لم يحارب كتبَ الفقه لذاتِها، ولا مذهبَ مالكٍ نفسِه، ولا حارب فقهاءً هذا المذهبِ، … وإنَّما ثار ضدَّ كتب المسائل الفقهيَّةِ الفرعيَّة، وما تجمَّع فيها من اختلافات ومسائل افتراضيَّة، ألهت الناسَ عن المصادر الأصليَّة، فأراد أن يرجع الناس إلى هذه الأصول بكل عزم وحزم. وقد وسم الباحثُ هذه الثورةَ تجديداً للعلوم الشرعية.

ـ تمَّ تخصيص الفصل الثَّاني من الباب الأول، لذكر نماذج من أعلام متكلمين على مذهب أبي الحسن الأشعري. وعلى غرار عرض هؤلاء الأعلام، عرض الباحثُ نماذجَ من مؤلَّفاتهم، حصرها في خمسة، وهي: ( التنبيه والإرشاد ) لأبي الحجَّاج يوسف الضَّرير، و( المتوسط في الاعتقاد ) وكتاب ( الأفعال ) كلاهما لأبي بكر بن العربي، و( العقيدة البرهانية ) لأبي عمرو السَّلالجي، وكتاب ( كشف مناهج الأدلة ) لأبي الوليد ابن رشد. عرّف بهذه المؤلفات، وذكر أهمَّ مضامينها، واستخرج مناهجَ أصحابها، ومصادرَهم فيها. ووقف على بعض الدِّراسات التي حكمت على بعض هذه المؤلفات بأنَّها مختصِرة لإرشاد الجويني، فانتقدها...

ـ خصَّص الباحثُ الفصل الأول من الباب الثَّاني للقضايا والمباحث الكلاميَّة التي يقف عليها متكلمو المغرب والأندلس، والأشاعرة عامَّة، عرض هذه المباحثَ وقام بتحليلها، مقارِناً أبواب متْنَي كلٍّ من الضّرير والسَّلالجي بأبواب كتاب ( الإرشاد ) للجويني؛ لما لهذا الأخير من سلطة علميَّةٍ في هذا العصر. فاستنتج بأنَّ قضايا المتون المغربية لا تختلف كثيراً، من حيث الكم والعناوين، عمَّا يثيره متكلمو المشرق في تواليفهم، وإنَّما الاختلاف المسجَّل، يكمن في الترتيب والتَّبويب، والإجمال والتَّفصيل، والاختصار والتوسُّع؛ فلاحظ عدم تمسُّك المغاربة دائماً بنفس ترتيب المشارقة لهذه المباحث، بل قد يختلفون عنهم في التّقديم والتأخير. وقد يتوسَّعون في أبواب أكثر من توسُّع المشارقة فيها (منظومة الضرير مثلاً)، ويوجزون الكلامَ في مباحث توسَّع فيها أهلُ المشرق، وهذا هو الغالب (السَّلالجي نموذجاً). وتميَّز علماء المغرب والأندلس خصوصاً بعدم ميلهم إلى التَّجريد والتعقيد. وفي المقابل كانوا ميَّالين إلى اعتماد البساطة والوضوح. ولم يهتمُّوا كثيراً بمباحث لم تكن الحاجةُ ماسَّة إليها، مثل مبحث الإمامة وترتيب الصَّحابة وغير ذلك…

ـ تناول في الفصل الثاني من الباب الثاني منهجَ المؤلّفين المغاربة في تصانيفهم، قارنَ بين المتون الثلاثة السَّابقة من ناحية المنهج، فعرض أهمَّ معالم منهج كلِّ مؤلِّف على حدة، وتوصَّل إلى أنَّ هناك تميزاً ظاهراً لعلماء المغرب والأندلس، مقارَنين مع نظرائهم المشارقة، وهو أنَّهم لم ينزلوا على منهج الجويني رأساً، على الرغم من سلطته العلميَّة على السَّاحة الكلامية في عصرهم. بل إنَّ الدارسَ لمتني الضرير والسَّلالجي، يجد نقطَ مخالفتهما لكتب المشارقة كثيرةً وقويَّة.

ـ ختامُ البحث كان بفصل خاص بذكر خصائص الفكر الكلامي في المغرب والأندلس في القرن السادس. ذكّر الباحث في مستهله بسلطة المدرسة المشرقية وحضورها القويِّ في قلوب علماء المغرب والأندلس قبل أذهانهم، وهم يدرسون المباحث الكلامية ويصنِّفون فيها. وحظي إرشادُ إمامِ الحرمين بنصيب وافر من هذا الحضور، فأثَّر في النّاس، وتأثرت به مؤلفاتُهم. لكن هذا التأثير القويَّ لم يمنع هؤلاء المؤلفين المغاربةَ من إبراز خصائص مميزة للمدرسة العقدية في عدوتي المغرب والأندلس. فوقف على خصائصَ عديدة، وبادر إلى دراستها، وتحليلها، وتفسيرها، ونقدها، مقتصراً على أبرزها وأكثرها حضوراً في المصنَّفات العقدية المغربية.

ختم الباحث هذا الفصلَ بمبحث عقده لذكر أهمِّ خلاصات هذه الخصائص، وأبرز استنتاجاتها. حاول ربط هذه الخصائص بالواقع، مبيِّناً قيمتها ودورَها ـ إذا ما روعيت، وأعيد إحياؤها – في حل كثير من المشاكل والإشكالات التي يتخبَّط فيها المجتمع وأبناؤه في عصرنا الرَّاهن – وهي دعوة إلى إعادة إحياء تلك الخصائص، وتجديدها لتتبوأ المكانةَ التي كانت عليها خلال العصور الوسطى؛ وهي عصور ازدهار حضارة هذه الأمَّةِ بامتياز.

أكَّد الباحث، في ختام تقريره، بأنَّ عمله ما هو إلا لبنة أولى، ينمي الباحث النفس بأن تتلوها لبناتٌ أخرى في نفس الاتجاه، وفي إطار مشروع علمي جدير بالعناية، حتى تتوفر لدى الباحثين في الفكر الكلاميِّ في الغرب الإسلامي الصورةُ الكاملة عن حقيقة هذا الفكر، وهو أمر يحتاج إلى مجموعة بحوث من لدن باحثين متخصِّصين آخرين؛ إذ إنَّه أصعب من أن يحيط به باحثٌ واحد، في ظل قصر العمر، وطول مجال البحث وخطورة الموضوع.

وقد استغرقت المناقشة حوالي ثلاث ساعات، تبادل خلالها أعضاء اللجنة، الكلمة، وتركَّزت مداخلاتُهم على أهم فصول البحث، فشملت ملاحظاتهم جانبها الشكليّ والمضموني للبحث، وزوَّدوا الباحث بما بدا لهم من ملاحظات موضوعية، وتوجيهات وتقويمات، وعبَّر كلُّ أعضاء اللجنة عن إعجابهم بالبحث وموضوعه، رغم صعوبته، ونوَّهوا به.

وبعد المناقشة المستفيضة، واختلاء أعضاء اللجنة من أجل التداول للحظات، قرَّروا قبول الأطروحة ومنح الباحث ميزة مشرف جداً.

وتتكون لجنة المناقشة من السادة الأساتذة الأفاضل:

– الدكتور عبد المجيد محيب رئيساً

– الدكتور عبد الهادي الخمليشي عضواً

– الدكتور مولاي مصطفى الهند عضواً

– الدكتور محمد بن عبد الكريم الفيلالي عضواً

وأشار صاحب الأطروحة إلى أنَّ البحث في الفكر الكلامي في الغرب الإسلامي، وتراث هذه المنطقة عامَّةً، لازال خصباً؛ يحتاج إلى أبحاث ودراسات أكاديمية أصيلة من أجل بعثه وإخراجه إلى الوجود، ومن ثم ترتيبه وإخضاعه لمختلف الدراسات الموضوعية، قصد إظهار مكانته ومكانة أصحابه ودورهم في المشاركة في تطوير الفكر الإسلامي عامَّة. غير أنَّ البحث في هذا الفكر تعترضه صعوباتٌ جمة، تتمثل أساساً في مسألتين: أولاهما: ندرة المصادر؛ إمَّا لكونها لازالت مخطوطة، يصعب حتى الوصول إليها، أو لأنَّها مفقودة. الثانية: عبث بعض الدارسين بها وبمضامينها؛ وذلك لسوء تحقيقهم ما حققوا منها، أو لسوء تفسيرهم وتأويلهم لبعض الأحداث التاريخية والسياسية والفكرية في تلك الحقبة، وهذا التدخل السافر وغير الموضوعي جليٌّ في بعض المصادر المؤرخة للدولتين المرابطية والموحدية خاصَّة، سواء كان هؤلاء الدَّارسون مستشرقين أو عرباً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.