المصباحي في رحلته مع ابن رشد: أو في الانصات الأمين للنص الرشدي

يعد الفيلسوف محمد المصباحي، أعرف من أن يعرف، وذلك بفعل حضوره المتميز في الفلسفة الإسلامية، بل هو يعد من أبرز القامات الفلسفية في عالمنا العربي والإسلامي، ولعل ما يميزه من بين المشتغلين بالفلسفة الإسلامية، هو انفتاحه من داخل الفلسفة الإسلامية على اتجاهات الفلسفة الغربية المعاصرة، وعلى رواد الفكر العربي والإسلامي المعاصر، غير أن الذي استأثر باهتمام أستاذنا، هو أبو الوليد بن رشد، حيث عرف بدفاعه عنه وعن عقلانيته، بيد أن دفاعه عن عقلانية ابن رشد، إنما هو دفاع على نحو يكاد يكون مختلفا تماما عن مسالك وأشكال الدفاع، مما يجعل من فلسفته مختلفة من حيث الآفاق التي تفتحها، والرهانات التي تطرحها، والإشكالات التي تشتغل عليها، بل ومختلفة تبعا لذلك بمتلقيها من الدارسين.

فلقد ألَّف الأستاذ المصباحي من الكتب حتى الآن، المؤلفات التالية: “إشكالية العقل عند ابن رشد” (1988)، و “دلالات وإشكالات” (1988)، و “من المعرفة إلى العقل، بحوث في نظرية العقل عند العرب” (1990)، و “تحولات في تاريخ الوجود والعقل” (1995)، و “الوجه الآخر لحداثة ابن رشد” (1998)، و “الوحدة والوجود عند ابن رشد” (2002)، و “العقل الإسلامي بين قرطبة وأصفهان” (2006)، و “من الوجود إلى الذات: بحث في فلسفة ابن رشد” (2006)، واللائحة تطول.

وقد ألقى الأستاذ المصباحي محاضرة، ضمن “الورشة الدولية الأولى في الفلسفة الإسلامية” والتي نظمها مركز رافد للدراسات والأبحاث في حضارة المغرب وتراث المتوسط، أيام: من 14 إلى 18 يناير2021، وقد وسمت المحاضرة بعنوان: “رحلتي مع ابن رشد“، وحظيت بمتابعة واسعة من قبل المهتمين بالشأن الفلسفي على طريقة أهل الصناعية الفلسفية.

لم ينشغل المصباحي بالجوانب المتعلقة بابن رشد في أفق استحضار قضايا ومشكلات الوضع الراهن، قصد إيجاد حل لها ومحاولة تجاوزها؛ لأن الرجل قد انشغل منذ البداية انشغالاً كليّاً بفحص القضايا التي يطرحها النص الفلسفي الرشدي، ذاهباً إلى أن الجوانب الأخرى البعيدة عن روح الاشتغال الفلسفي، هي من صميم اشتغال المؤرخ، أو السياسي أو عالم الاجتماع، ومن ثم فإن ما يدخل ضمن صميم اشتغاله ومن موقعه، هو الإنصات إلى النص الفلسفي دون سواه.

لقد كان أول كتاب صدر للمصباحي عن فيلسوف قرطبة ومراكش، هو كتاب “إشكالية العقل عند ابن رشد“، وهو في الأصل جزء من عمل أكاديمي، كان قد تقدم به في إطار دبلوم الدراسات العليا، حمل عنوان: ” نظرية العقل عند ابن رشد“، وقد نوقش هذا العمل سنة 1982. وبالعودة إلى هذا الكتاب، أعني إشكالية العقل عند ابن رشد”، نجد أن المصباحي قد رسم لنفسه مساراً مختلفا في طريقة الاشتغال، الأمر الذي جعله يبتعد قدر الإمكان عن المفاهيم التي من شأنها أن تحيل على البعد الإيديولوجي في دوائره المتصلة بالاهتمام والاشتغال والتحليل، وذلك من قبيل مفاهيم كالتنوير والنهضة والعقلانية، وغيرها من المفاهيم التي ينجذب إليها المهتمون بالخطاب النهضوي العربي، قراءةً وتنظيراً.

ويرجع السبب في ذلك، إلى أن المصباحي كان يروم منذ بداية رحلته مع ابن رشد، أن يقدم للقراء نصّاً فلسفياً له موقعه ومكانته العلمية لا الإيديولوجية، وتحديداً ضمن مبحث العقل الذي ينتمي رسميا في سياق الفلسفة الوسطوية وما قبلها، إلى مجال علم النفس القديم بما يميز طبيعته على هذا المستوى من تعقيد وصعوبة في التحديد. كما ينضاف إلى هذا الأمر، أنه كان يروم أيضا شرح منهجه في الاشتغال على فلسفة الأعلام، وهو منهج يقوم على ضرورة استيعاب أنه إذ يقدم نصّاً فلسفيّاً عن العقل عند ابن رشد، فهو إنما يقدم ما يقدمه بين يدي قرائه، من المشتغلين بالفلسفة الإسلامية، في ضوء استنطاق النصوص الفلسفية التي خلفها ابن رشد في هذا الشأن، ووفق الأفق المعرفي والتاريخي لصاحبه، لا أنه يقدم نصّاً إيديولوجيا، لا شأن لفيلسوف قرطبة ومراكش به.

اشتغل المصباحي إذن، على تعقب مفهوم العقل في فلسفة ابن رشد، من خلال فحص ماهيته عبر حرصه على محاولة إدراكه كما كان ماثلاً في ذهن ابن رشد، من خلال استنطاق مختلف نصوصه، لا استجابة لهوى أو رغبة تأويلية. ومن ثم فهو لم يسمح لنفسه وهو بإزَّاء معالجته لهذا المفهوم المعقد والملتب، بتسرب المؤثرات الشخصية، والأحكام المسبقة.

غير أنه إنْ كان الأستاذ المصباحي لا يميل إلى الاشتغال الإيديولوجي ولا يطمئن إليه، فهو لا يشنع في الآن ذاته على المشتغلين بالهموم الإيديولوجية؛ بيد أنه يشترط في هذا السياق، أو بالأحرى يلتمس ممن يميلون إلى هذا النوع من الاشتغال، عدم المبالغة في تطويع نصوص ابن رشد، من خلال إخضاعها لحسابات سياسية وإيديولوجية، وإرغامها تبعا لذلك في سبيل أهداف غير علمية ولا فلسفية، إلى أن تصبح من جرَّاء تأويلاتهم ناطقة بما لم يقله، ولم يخطر له على بال.

ولما كانت الغاية من تأليف كتاب “إشكالية العقل“؛ كما يذهب إلى ذلك المصباحي، هي غاية فلسفية خالصة، فقد رام فيه النظر إلى العقل، في استحضار لتعامل ابن رشد معه، لا باعتباره مجردَ آلة للتفكير، ولكن بغاية التوفيق بين البعدين الأنطولوجي والتاريخي لهذا الكيان، راصداً في الآن ذاته التحول الحاصل في مفهوم العقل وحقيقته لدى أبي الوليد، من تعاليه في بعده الأول، إلى بشريته وتاريخية في بعده الثاني.

وقد تنبه المصباحي في هذا السياق، إلى الإشكال الفلسفي العميق الذي انبثق عن التقابل بين البعدين السابقين للعقل؛ أي البعد الأنطولوجي المتعالي، والبعد التاريخي المحايث؛ فصاغه على النحو التالي: هل يملك كل فرد من آحاد الإنسانية بما هو مُشار إليه عقلاً خاصاً به، فيؤول الأمر تبعا لذلك إلى تعدد العقول، أم أن يقينية الصدق والعقل والعلم، تقتضي بالضرورة عقلا كليا لا يمكن له أن يتجلى إلا في كلي وهو الإنسانية؟

نبَّه الأستاذ المصباحي، في سياق اشتغاله الفلسفي على هذه الإشكالية، إلى أن ابن رشد، قد مال إلى الانتصار للطبيعة المتعالية لتكوينية العقل. غير أنه أضاف إلى ذلك أن انتصاره لتكوينية العقل الكلي، إنما كان بغرض صون ماهية العلم والحقيقة، وكذا حفظ الأسباب السارية في الطبيعة. غير أن أهمية موقف ابن رشد، كما يشرح الأستاذ المصباحي، تكمن في أنه لم يقف عند هذا الأمربإزَّاء حد ماهية العقل، ومن ثم لم يقده القولُ بتعالي العقل إلى سلبه عن أفراد الإنسانية وآحادها، وإنما حاول التوفيق بين ما لوجوده الكلي بما يحيل عليه من تعال، وبين ما لوجوده في كل فرد فرد منا بما هو كائن مادي وتاريخي، من خلال إقراره بكون العقل يشكل – ولو بالقوة – ماهية الإنسان.

ولعل معالجة ابن رشد لماهية العقل على هذا النحو المزدوج، هو ما جعل المصباحي يرى في مواقفه، ملمحا قويّاً من ملامح العقلانية، إن لم يكن أهمها، بل إن هذا الملمح هو الذي قاد المصباحي إلى الانفتاح على الرشدية اللاتينية، لكن من دون أن يسلك في سبيل ذلك أيَّ شكل من أشكال التمحُّل، التي قد نصادفها في الخطابات الإيديولوجية المبجلة لابن رشد.

لم ينشغل المصباحي، بإشكالية العقل فحسب، وإنما اشتغل بموضوعات كثيرة، وبمباحث فلسفية متشعبة، وحاور رؤى متعددة، وشخصيات فلسفية تنتمي لتيارات متباينة، وانفتح على حقول معرفية وفلسفية كثيرة، إلا أنَّ ذلك كلَّه لم يفقد إنتاجه الفلسفي وحدة النسق. كما أنَّ تعدد الاهتمامات الفلسفية لأستاذنا الدكتور محمد المصباحي، وكذا كثرتها، لم تجعله يبتعد عن الرشدية، هذا فضلا عن اغترابه عنها؛ لأن ابن رشد ظل بالنسبة إليه، هو نقطة الارتكاز، ومن ثم بقي اشتغاله قريباً منه، ينظر إلى التيارات الفلسفية، القديمة منها والحديثة والمعاصرة، وكذا إلى التصوف وأعلامه وتجاربه ومشاربه، بعيون رشدية، كما لو كان ابن رشد، مَعْلما تقاس التيارات تبعا لقربها أو بعدها عنه. مما يجعلنا نذهب إلى القول بكون فيلسوفنا، لم يغادر – بجهة من جهات النظر – أرض الرشدية، وأن رحلاته الفلسفية تلك، على الرغم من اختلاف محطاتها، إنما هي رحلة مع ابن رشد.

لمتابعة محاضرة الدكتور محمد المصباحي، المرجو الضغط على الرابط الآتي:

محاضرة الدكتور المصباحي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.