” تآلف المعرفة والهوية في التراث المغربي الأمازيغي “.

محاضرة للدكتور المهدي بن محمد السعيدي.

 

في إطار أنشطته العلمية والفكرية التي تستهدف فئة الطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه، نظم مركز روافد للدراسات والأبحاث في حضارة المغرب وتراث المتوسط، بتعاون وتنسيق جامعة ابن طفيل بالقنيطرة ندوةً علمية بعنوان:

“الثوابت الدينية والهوية المغربية في الدراسات الأكاديمية والأبحاث الجامعية” لفائدة الفئة المذكورة على مدى أربعة أيام متواصلة ( 9-12 نونبر 2020 )، شملت ما مجموعه أربعة عشر محاضرة علمية في حقول معرفية متنوعة ومتكاملة؛ بين فقه وأصول ومقاصد، وكلام وفلسفة، وتاريخ واجتماع، ولغة وتصوف…

ومن المحاضرات التي أثْرت هذه الندوة تحقيقاً وجدةً وتأصيلاً علميّاً رصيناً، محاضرةُ الدكتور المهدي بن محمد السعيدي؛ أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر بأكادير، وباحث في تراث الغرب الإسلامي عامة، والتراث السوسي خاصة، يشهد له بذلك على سبيل المثال لا الحصر مؤلفُه الشهير:

المدارس العتيقة وإشعاعها الأدبي والعلمي بالمغرب: المدرسة الإلغية بسوس نموذجا،

وكتاب: “معالم التاريخ الديني للمغرب: الطرق والزوايا” وهو ترجمة عن الفرنسي جورج سبيلمان الذي كتبه إبَّان الحقبة الاستعمارية للمغرب بعنوان:

 Esquisse D’Histoire Religieuse du Maroc: Confréries et Zaouias

والمحاضرة التي ألقاها الدكتور ، هي من صلب هذا التخصص، فقد جاءت بعنوان:

تآلف المعرفة والهوية في التراث المغربي الأمازيغي”.

جاءت مداخلة الدكتور السعيدي من حيث بناؤها الشكلي، في مقدمة، وثلاثة محاور فخاتمة، وخلاصتها ما يلي:

 مقدمة:

ذكّر فيها المحاضر بلقاء فكري حضره حول التراث والمتاحف بمدينة مراكش سنة 2004، وكان من المتدخلين الأستاذُ شمعون ليفي، الذي تحدث في هذا اللقاء عن التراث اليهودي المغربي، وعلَّق كذلك على الثقافة الأمازيغية بتقديم الانتماء الثقافي “الأمازيغي” على الانتماء الوطني “المغربي”، وهذا أمر يرى الدكتور السعيدي أنه محسوم بأنَّ الانتماء للوطن مقدم على غيره، فالثقافة المغربية واحدة لكن بروافد متعددة ومتنوعة، وبهذه الخاصية اكتسب المغرب عن استحقاق صفة البلد الأمة.

أولا: الأمازيغ: حيرة أمة، البحث عن الهوية وتحقيق الذات:

ولبسط القول في هذا المحور، استند المحاضر إلى التاريخ لكشف أغوار الجماعات البشرية التي سكنت بلاد المغرب، خاصة بعد الحفريات التي أظهرت استقرار الإنسان بهذا القطر قبل حوالي مليون سنة، وذلك في حقب ومراحل حدد المؤرخون أبرزها كالآتي:

* مرحلة ما قبل التاريخ:

  • المرحلة الشولية: وتبدأ منذ ظهور الإنسان بالمغرب قبل نحو مليون سنة، وحتى العصر الحجري القديم قبل نحو 160 ألف سنة، قادما من شرق إفريقيا.
  • الحضارة الموستيرية: وتبدأ من نحو 160 ألف سنة في العصر الحجري القديم، لتنقرض بعد ذلك بنحو 70 ألف سنة، وإلى هذه الفترة تنسب الاكتشافات الحفرية في جبل إيغود.
  • الحضارة العاترية: وهي من حضارات العصر الحجري الأوسط، أما آثارها فوُجدت في بعض سواحل المغرب كساحل الرباط وتمارة.
  • الحضارة الإيبيرومورية: وامتد وجودها من نحو 23 ألف سنة إلى غاية 8 آلاف سنة، ومن أبرز مواقعها الأثرية كهف تافوغالت بمنطقة بركان شرق المغرب.
  • الحضارة النيوليتية: وهي من حضارات العصر الحجري الجديد، وقد عثر على بعض شواهدها الأثرية في سواحل المغرب كساحل الدار البيضاء وطرفاية.
  • الحضارة الجرسية: وإليها ترجع بعض الشواهد الأثرية التي عثر عليها في منطقة الدالية ومنطقة المرس، إضافة إلى الكثير من النقوش الصخرية التي وُجدت في المغرب.

* مرحلة التاريخ:

وهي التي طبعتها الحضارة الليبية البربرية، والأخبار الواردة عن هذه الحضارة ترتبط بمملكة نوميديا بمنطقة المغرب الأوسط (الجزائر حاليا)، ومملكة قرطاجة بمنطقة إفريقية (تونس حاليا)، وهناك مملكة ثالثة شكلت هذا الثالوث الحضاري؛ وهي مملكة موريطانيا، ولكن أخبارها ظلَّت غامضة مجهولة إلا ما تعلق بجزء منها؛ والممتد بين مكناس والرباط، وهو الخط المعروف بقوة مقاومة أهله للرومان، رغم وجود بعض الموالين الذين نصبهم الرومان حكَّاماً على أهل تلك المناطق، كما فعلت مع الغساسنة في المشرق.

وقد تميزت هذه المرحلة أيضا بالإضافة إلى الصراع مع الإمبراطورية الرومانية بتقلبات سياسية وعقدية عديدة أهمها:

  • انتشار النصرانية الموحدة في شمال إفريقيا بفضل الكاهن الأمازيغي آريوس (256- 336م)، وهو المعروف بمعاداته للصبغة الوثنية للنصرانية، بل وصدَّق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل إنه المقصود وأتباعه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “فعليك إثم الأريسيين”، وبمثل ذلك عُرف أيضا القس دوناتوس (ت.358م) الذي ثار على الكنيسة الرومانية وحكمت عليه بالهرطقة بدعم من مواطنه أو غستين المؤمن بالتثليث.
  • إدخال الرومان النصرانية الوثنية إلى الشمال الإفريقي، وعملهم على إزاحة النصرانية الموحدة، ولاقوا في مقابل ذلك معارضةً شديدة من أهل المغرب الموحدين بقيادة القس دوناتوس، ورغم قتله من قبل الكنيسة الرومانية، إلا أنَّ التوحيد بقي مستمراً عند أهل المغرب، مرفوقاً بثورات اجتماعية ضد الرومان حتى مجيء الإسلام.
  • سيطرة الوندال على الشمال الإفريقي وتوطيدهم النصرانية الموحدة الأريوسية الرافضة للتثليث، وواجهوا في سبيل ذلك الكنيسة الكاثوليكية، غير أنَّ الرومان اضطهدوهم ونكَّلوا بهم بعد ذلك لنفس السبب العقدي.
  • ظهور مذاهب نصرانية حاولت التوفيق بين المذاهب النصرانية الوثنية والموحدة؛ وذلك بالتأكيد على الطبيعة المزدوجة للمسيح بين اللاهوت والناسوت، وهذا ما فعله النساطِرةُ واليَعَاقِبةُ وغيرُهم من المذاهب المتصارعة حول شخصية المسيح، وقد استمر هذا الوضعُ حتى وصل الإسلامُ إلى إفريقية.

هذه الصراعات دليل على عدة أمور، نسجل أهمَّها:

  • نشاط الحياة الدينية والروحية لأهل المغربِ الباحثين عن الحقيقة باستمرار، يدل على ذلك اختلافُ الأديان والعقائد وحركيّتها، بل وتصارعها.
  • اكتشاف أهل المغرب في الشمال الإفريقي لعقيدة التوحيد قبل الإسلام، وإقبالهم عليها، وتمسكهم بها، ومواجهة الإمبراطورية الرومانية، ومعها الكنيسة الكاثوليكية التي حرفتها في مجمع نيقية.
  • انتشار أشكال من تقديس الطبيعة والمغارات والحيوانات … في منطقة الشمال الإفريقي لدى الأمازيغ في تلك المرحلة، خاصة في المناطق المنعزلة والجبال والصحارى، وبقيَّ الأمرُ كذلك حتى دخل الإسلام إلى المغرب، أو إلى عصر الموحدين كما يقول المؤرخون.
  • مثلت هذه المرحلةُ لدى الأمازيغ بحثهم الحثيث عن القيم الموحدة الخالدة الصادقة، وعن الهوية الحقيقية المبنية على العقيدة السليمة لبناء المجتمع الأمازيغي الصالح، ولكن الوضع مع الرومان حتَّم عليهم أحدَ أمرين؛ إما الحفاظ على الوضع السياسي القائم، وهذا يقتضي موافقتهم على التثليث، أو الحفاظ على المعتقد التوحيدي ومعاداة الرومان ومعهم الكنيسة الكاثوليكية.
  • اختيار الأمازيغ للمعتقد التوحيدي ومعاداة روما، دفع الكثير منهم في هذه المرحلة للهجرة إلى المناطق النائية؛ فراراً بعقيدة التوحيد، وسعيهم المتواصل للتحرر من ظلم الرومان، وتوقهم لدين منصف يضمن لهم التحرُّرَ من قيود الرومان.

ثانيا: الإسلام سبيلاً للهوية، اعتناق الأمازيغ للتوحيد.

رغم إنفاق الرومان أربعة قرون في توطيد النصرانية بالمغرب، إلَّا أنَّ هذه العقيدة تلاشت بدخول التوحيد، كما تقلصت اليهودية أيضا، ولبيان سبب ذلك، استند المحاضر لأحد الكتاب الاستعماريين؛ وهو جورج سبيلمان الذي قال: إن بذور التوحيد قد انتشرت في قرطاجة والشمال الإفريقي عموماً منذ زمن طويل، حيث إن القرطاجيين الوثنيين غلّبوا صنماً واحدا على أصنام كثيرة، بيما الحقيقة أن الانتشار السريع للإسلام، إنَّما كان بسبب البذور التي نثرتها النصرانية الموحِّدة خلال ثورات النصرانية الوطنية، فجاء الإسلام لينبت تلك البذور نباتات سامقة قويةً، في تربة التوحيد الخصبة هذه، ويزكي هذا الطرح أيضا قصةُ الحواريين الرجراجيين السبعة الذين وفدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وقد حدثهم بلسانهم وحمّلهم عقيدة التوحيد، فالقصة، وإنْ اعتبرها البعضُ أسطورة، فهي صحيحة في جزء منها، وهو اعتبارهم موحدين حقّاً قبل الإسلام على العقيدة النصرانية الأريسية؛ كما يرى ذلك الدكتور محمد المغراوي، وأضاف أنهم لم يفدوا إلى النبي في المدينة، وإنما وفدوا إلى إفريقية لملاقاة الفاتحين، فأسلموا على أيديهم وعادوا إلى أهلهم ناشرين للإسلام.

ونتيجة لكل ذلك، أقبل أهلُ المغرب على الإسلام أفواجاً، وانتشر هذا الدينُ بمناطقهم في ظرف وجيز، يدل على ذلك ما يلي:

  • قلة المواجهات التي خاضها عقبة بنُ نافع في الفتح، وتسريحه لجيش كبير آمرا إياه بالعودة إلى القيروان، ليواصل هو في ثلاثمائة من الحرس، حتى وصل إلى السوس الأقصى وجزولة، ولم يكن مقتله في المغرب الأقصى، بل في المغرب الأوسط حيث النفوذ الروماني لا زال قائماً.
  • بقاء المغاربة متمسكين بالإسلام دون أيّما ارتداد عنه، ولا أدلّ على ذلك من إسهامهم وبحماس كبير في فتح الأندلس، فقد صاروا فاتحين بدورهم بعد مدة وجيزة من فتح بلدهم، وهذا لا يُقبل عليه متردد أو مرتد.
  • لمّا وقع على الأمازيغ ظلمٌ من الولاة الأمويين، ثاروا على هذا الظلم وقاوموه دون أن ينسلخوا من الإسلام؛ لأن سبب الثورة سياسي واجتماعيٌّ واقتصادي، وليس عقديّاً، يدل على ذلك خروجُ بعض النحل كالخوارج والروافض من المشرق إلى المغرب بداعي المظلومية الأموية والعباسية، وانتشارها في البيئة المغربية الثائرة على هذا الظلم.

بعد الخلافة الراشدة سعى الأمازيغُ بسرعة إلى التخلص من التبعية للمشرق؛ إدراكاً منهم أن الدولة الإسلامية أصبحت تؤسس بعد الخلافة الراشدة على منطق القوة والغلبة والملك العضود، لا على أساس القيم العقدية والأخلاق الإسلامية، ويتجلى ذلك في قيام دولة الأدارسة على أساس البيت النبوي الشريف الذي يعكس تلك القيم المنعدمة في الحاكم الأموي في المشرق، وخاصة قيمة العدل والمساواة.

كما سعى المغاربة الأمازيغُ أيضاً إلى الاستقلال الفكري عن المشرق، ويُستفاد هذا الأمرُ من ابتعادهم عن التيارات العقدية والسجالات السيَّاسية المنتشرة في المشرق، يظهر ذلك جليّاً في الحركة الإصلاحية التي قادها فقهاء المالكية الآخذون من القيروان، مؤكدين على خصوصية المغاربة باختيارات عقدية ومذهبية توافق بيئتهم ومجالهم الجغرافي، فقضوا على النحل الخارجية؛ كالخوارج والبورغواطيين، كما فعل الموحدون بعدهم إلى عهد المرينيين، وفيه استوت اختيارات المغاربة وثوابتُهم الدينية والعقديَّةُ بعد أن تقلبوا قبلُ في المذاهب المختلفة فاستقروا على ما يلي:

  • المذهب المالكي في الفقه: وهو المعروف بحزمه وعزمه لمواجهة المذهب الكاثوليكي المتشدد في الجوار الأندلسي، ولكونه مذهب أهل المدينة المرتبط بالوحي، واتساعه ليشمل أعرافَ الناس من خلال قاعدة المصلحة المرسلة.
  • الإمامة العظمى ومبايعة آل البيت الشريف؛ تحقيقاً للإنصاف الشرعي لآل البيت الذي أخلت به الخلافةُ الأموية والعباسيَّةُ في المشرق، ورغبةً في توحيد أهلِ المغرب لصفوفهم وجمع شملهم، وقد عجزوا عن ذلك قبلُ؛ لتوغُّل الانتماء القبلي على الانتماء العقدي، فلمَّا كانت الولايةُ لآل البيت خضع لها الجميعُ.
  • المعتقد الأشعري، وهو اختيار قائمٌ على النقل الصحيح للعقيدة الإسلامية، يعضده النظر العقليُّ السديد، وقد اختاره المغاربة لملاءمته لتوجههم العقلاني في النظر إلى الأمور، وحكمهم على الظواهر، يدلُّ على ذلك تاريخُهم في مقارعة النصارى الرومان والبزنطيين، ولحاجتهم إلى مذهب عقدي ينأى عن التشبيه والتجسيم، حتى لا يتهمهم به النصارى، والمذهب الأشعري يفي بهذا الغرض؛ وقد حوت كتبُ المغاربة الكثيرَ من النصوص الدالة على تلك المقاراعات؛ مثل كتاب “ناصر الدين على القوم الكافرين” لشهاب الدين أحمد بن قاسم الحَجْرِي المعروف بـآفوقاي.
  • التصوف العملي بما هو إحسان في العبادة، وإتقان في العقيدة والدين والمعاملة، وقد اختاره المغاربةُ لميلهم إلى الجانب العملي، تاركين غيرَه كالتصوف الفلسفي المغْرق في النظريات، وركَّزوا على ما ينفع الناسَ مما يستشف من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فوقع اختيارُهم لذلك على طريقة الجنيد لملاءمتها لطبعهم المذكور، ولا أدلَّ على ذلك مما عُرف به الصوفي الكبير أبو العباس السبتي رضي الله عنه في سعيه لتحقيق النفع للناس؛ انطلاقاً من مبدئه المشهور “انفعال الوجود بالجود”.

بهذه الثوابت التي انتخبها المغاربةُ بعناية شديدة، تبوأ المغربُ الأقصى مكان الصدارة في السياسة والفكر، بعد أن كان متقوقعاً منعزلا تاركاً الريَّادة للمغرب الوسط وقرطاجة في عهد الرومان، فجاء إسهامُه في الحضارة الإسلامية كبيراً.

ثالثا: الإسلام سبيلاً للمعرفة، تنظيم المجتمع وبناء الحضارة.

بفضل المعرفة السابقة للأمازيغ بالتوحيد في العهد الروماني، وجد الفاتحون سهولةً كبيرة في الاندماج مع إخوانهم الأمازيغ في المغرب الأقصى، وازداد هذا الاندماج أكثر بفتح الأندلس وإسلام الكثير من الوندال والقوط، وتعلمهم اللغة العربية، وبنشر الإسلام أيضا في غرب إفريقيا المسمى بالسودان المغربي.

كما تعلم المغاربةُ دينَهم بسرعة، وبلغوا في فقهه مبْلغاً كبيراً، حتى إن بعض قبائل بني هلال وبني سليم لدى هجرتهم للمغرب، كان عليهم التفقهُ في الدين على يد إخوانهم المغاربة، فكان المغاربة بحق أكثر تديُّناً وفقها من الوافدين، وقد مكَّنهم ذلك من الإسهام المبكر في بناء الحضارة الإسلامية وتحقيق ذواتهم، وبناء هويتهم الخاصة؛ بناءً على الاختيارات التي انتخبوها، دون أن يمنعوا أنفسَهم من التواصل مع الشرق والأخذ عن علمائه، وقد ركَّزوا في بداية الأخذ على ما يوافق اختياراتهم، ولكنهم انفتحوا بعدها على العلوم والمذاهب الأخرى، دون أن يؤثر ذلك على ثوابتهم الدينية واللغوية والعرقية وغيرها، فقد تكلم أهلُ المغرب الأمازيغيةَ بألوانها الخمس، وسكن أرضَه عرقياتٌ مختلفة وفدت عليه في مراحل تاريخية مختلفة، دون أن تشهد تلك العرقيات أيَّ مواجهة على أساس عرقيٍّ أو لغوي، فحتى تلك المواجهات التي سجلها التاريخُ، كانت بدوافع سياسية؛ مثل ما قام به عبد المومن بنُ علي الكومي من استقدام قبائل بني هلال وبني سليم العربية للاستيطان بالمغرب حتى يوازن بذلك قوة المصامدة التي قامت عليها دولةُ الموحدين، فهي صراعات ظاهريَّة فقط، تقوم على النفع السياسي أو الاقتصادي أحيانا كثيرة، يدلُّ على ذلك اندماجُ القبائل الوافدةِ ودخولُها في أحلاف، لا على أساس عرقي أو لغوي، وإنَّما على الأساس النفعي؛ كالأراضي والمياه والأسواق..

ومن النَّاحية اللغوية، فقد زاوج المغاربةُ بين اللغة الأمازيغية والعربية في التواصل وفي التعليم، فكانت الأولى للتواصل مع الأقارب، والثانية لدراسة الكتب وتعليمها، وأحيانا يتم التدريس بالأمازيغية على سبيل التقريب والتبسيط، دون أخذ موقف مَّا مِن لغة مَّا. ولأن المعرفة القويمة الموثقة يجب أن تُنقل على أساس صحيح، فقد اعتنى المغاربةُ باللغة العربية بمتونها المعروفة؛ كالآجرومية ولامية الأفعال، وغيرها من كتب الإبداع والنَّظم، فأضافوا إلى إبداعهم بالعربية إبداعَهم بالأمازيغية، فألَّفوا، وشرحوا، وفسَّروا بهما معا، ومن ذلك ما فعل الفقيه المالكي محمد بنُ علي بن إبراهيم أوْزَال؛ الملقَّبُ بأكييل في كتاب: “الحوض” الذي ضمنه نحو أربعة آلاف بيت من النظم الأمازيغي، حرر فيه قواعدَ العبادات وِفْق المذهب المالكي، فحفظه الناسُ ودرسوه في المساجد؛ رجالاً ونساءً، وانتفعوا به، كما انتفعوا أيضا بكتاب: “مجموع الأمير” في الفقه المالكي الذي ترجمه إلى الأمازيغية والدُ العلامة المختار السوسي سيدي علي بن أحمد الدرقاوي الإلغي، وبـــ “متن ابن عاشر الذي ترجم للأمازيغية ثلاثَ مرات، وبالأربعين حديثاً النووية التي ترجمها المختار السوسي، و“رياض الصالحين” الذي ترجمه أخوه سيدي عبد الله بنُ الحاج علي الدرقاوي في نحو ألف صفحة، وغيرِها من الترجمات التي غطَّت ميادين المعرفة المنتشرة في تلك العهود؛كالحديث والفقه والعقيدة والتصوف، والفلك والنحو والحساب والفلاحة…، توجهت بالأساس إلى الطُّلَّاب وأئمة المساجد لينقلوا محتواها للناس، ولم تُوجه إلى عوام الناس كما يعتقد الكثيرون.

ومن المؤسف أنَّ عناية هؤلاء المغاربة بالثقافة الدينية الأمازيغية العالمة التي يفوق عددُها أربعمائة مؤلف، يقابلها اليوم عزوفٌ وتجاهلٌ كبيران، على خلاف الثقافة الفلكلورية التي يبالَغ في الاعتناء بها وإبرازها.

ومن الملاحظات التي يمكن تسجيلها في العلاقة بين اللغتين:

  • التعارضُ المتوهَّم بين اللغتين غيرُ موجود، وإنما هناك انسجامٌ تامٌّ، وتحقيق لغاية النقل والإفهام.
  • العربية جسرٌ لربط الأمازيغ بالإسلام، فهم قد امتثلوا قولَه تعالى: “فلولا نفر ٌمن كل فرقة منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين”، فحقَّقوا بها إتقانَ المعرفة، ونقلها من مصادرها؛ بل وأبدعوا بها أشعاراً ومتوناً.
  • العربية آليةٌ تحقَّق بها التواصلُ الحضاري بين النخب العالمة لأقطاب المغرب والأندلس والمشرق، ولتحيين المعلومات في إطار الرِّحْلات العلمية إلى كل الحواضر الإسلامية العلمية؛ كالحرمين ومصر، ودمشق وبغداد…، فيدرُسون أو ينتصِبُون للتدريس بها، وينسخون الكتب، ويأخذون الأسانيد والإجازات…

خاتمة:

أهم الاستنتاجات التي خلُص إليها المحاضرُ:

  • استطاع المغاربةُ أن يوائموا بين موروثهم الثقافيِّ وعقيدتهم الإسلامية، دون أدنى تعارض أو تنافي، فاندمجوا بسرعة في حضارة الإسلام الممتدَّةِ من المغرب الأقصى غرباً، إلى تركستان الشرقية شرقاً.
  • حقَّق المغاربةُ تآلفاً كبيراً بين هُويَّة مؤسَّسَة على اختيارات خاصة، وبين معرفة جيدة بالإسلام، فجاء إسهامُهم في بناء الحضارة الإسلامية متميزاً.
  • الأمازيغ طالهم الظلمُ فحاربوه، ولكن تمسَّكوا بالدين لمعرفتهم بجوهره وانحراف الظالمين عن ذلك الجوهر.
  • مرَّت في تاريخ المغرب نحلٌ وطوائف منحرفةٌ، جرَّبها المغاربةُ بعد انبثاق دول منها؛ كدولة البورغواطيين، ولكنهم أدركوا انحرافَها، فتخلَّصوا منها واختاروا ما يلائمُهم.
  • احتاج البناءُ المعرفيُّ المغربي إلى زمن طويل ليتأسَّس، ولكنَّه مؤسس على اختيارات انتُخبت بتُؤدَة وروية وعقلانيَّةٍ، ومن طرف نخبٍ عالمةٍ، فحصل الثباتُ والاستمرار.
  • وجوبُ المعرفة الجيِّدة باختيارات المغاربة وثوابتهم، والدفاعُ عنها وتحصينُها، بل واستثمارُها في معالجة مشاكل المغرب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

         لمشاهدة محاضرة الدكتور المهدي السعيدي، المرجو الضغط على الرابط الآتي:

 https://bit.ly/35zZkud 

2 تعليقات
  1. الحسين أمدوش يقول

    مقال رائع جدا، يستند إلى معطيات تاريخية وانثربولوجية فريدة. فمثل هذه هذه الأفكار القيمة تبرهن مدى تميز الشعب الأمازيغي بالسلم وتقبل الآخر والإيمان بالقيم الإنسانية النبيلة بعيدا عن أي تعصب أو إقصاء. كذلك احتكاكهم بديانات وأجناس مختلفة عبر التاريخ دون اللجوء إلى أي صراع قد يدمر وجود الأفراد والجماعات.
    عمل فريد من نوعه يشكر عليه هذا الباحث الشهم.

  2. الادريسي يقول

    نفع الله بكم وبهذا المركز .. مزيدا من العطاء ان شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.