رحلة الذات بين همس المقام وعنفوان المقال

قراءة في كتاب "الشعر الصوفي بتازة خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين" للدكتورة: ربيعة بنويس

 

تقديم:

نصبو في هذه المقالة إلى إماطة اللثام عن حقيقة الصلة بين الذات الكاتبة ومقصدية الكتابة المنسلة من سياق تلقي الخطاب الإبداعي، سيما إذا كان هذا الخطاب ذا سلطة ذوقية وجدانية، تكسر سياج الزمنية والمكانية، لتمارس سحرها في أفق الدرس والتنقيب، إنه الخطاب الصوفي بحمولاته الروحية والموضوعية والإبداعية، القادرة على تعرية مقومات رؤية وجودية مزدوجة تصل العالم العلوي المقدس بالعالم السفلي المدنس، في سياق تاريخي واجتماعي وسياسي، ترضع الذات المبدعة خصوصياته المتقلبة لتترجمها دفقات شعورية تغدو تربة خصبة لزراعة بذور نقدية تخضع الظاهرة لمجهر القراءة والتأويل محليا وإقليميا وعالميا.

وقد شهدت الحركة الأدبية المغربية سيرورة جملة من الأبحاث والدراسات التي رسمت مسارها على خارطة الشعر الصوفي باختلاف أزمنته وتحول أجياله وترامي أطيافه وتباعد مناطقه، فكانت شمولية الرؤية فضاءً للمطارحة النقدية، ومضمارا للجهود الجادة التي انتقينا من حديقتها زهرة رعتها باحثة أكاديمية، أخذها العشق الصوفي، فحلقت في أفقه باحثة عن أسباب الأصالة والجدة في الكتابة الصوفية المغربية، صادرة عن وعي عميق بالإشراطات التاريخية والسياسية والاجتماعية والفنية للظاهرة الشعرية الصوفية، وعن موقف أكاديمي ساقها إلى التعبير عن أفكارها في متن أدبي- علمي- منهجي، جمع بين البحث عن هوية المكان والغوص في هوية عشق عرفاني حمل الدكتورة ربيعة بنويس إلى عوالم القصيدة الصوفية، لتركب صهوة الطواف بالعوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تشاكلت لتبني شخصية شيوخ توجت إبداعاتهم بوسام الاستمالة، وتستدعي الفضول المعرفي للتنقيب في أعماقها اللغوية، وتفكيك سمفونيتها الإيقاعية، وفك خيوط شبكتها الخيالية، ومن ثم إثبات تميز التجربة الإبداعية عند متصوفة تازة خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين، وبذلك شكل هذا المتن الأدبي في مجمله»وحدة متماسكة شمولية تجمع بين الشكل والمضمون، وبين اللغوي وما فوق اللغوي«[1]، حيث قرأت متونها المختارة في أبعادها البنائية الداخلية، وفي سياقاتها الخارجية، قراءة تخضع إوالياتها لجدلية الوحدة والتعدد، وإن كانت حرية الفكر وجدته قد أسهمت في بناء »صورة تعددية ظافرة لا يتسلط عليها أي قيد من قيود التمثيل (التقليد) ليفقرها…تتعدد الشبكات وتلعب فيما بينها، دون أن تستطيع أي واحدة منها أن تترأس الأخريات وتطغى عليها«[2]، الأمر الذي كفل التوازن التنظيمي داخل كتاب:“الشعر الصوفي بتازة خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين”الصادر عن منشورات النادي الجراري بمناسبة تخليد الذكرى التسعين لتأسيس النادي الجراري 1930- 2020، الذي رسمت الباحثة ملامحه التصميمية وفق بناء منهجي غادر دهاليز الضبابية آناء تصريحها في مقدمة الكتاب بالارتكان في دراستها إلى منهج نقدي تحليلي يغادر دائرة الوفاء المطلق، فيستمد عبقه من خارج النص حين يقتضي مسار البحث الالتفات إلى صحف التاريخ، والاستعانة بالبحث الاجتماعي، والمساءلة النصية برؤية وصفية، والتدقيق الموضوعي بالتوجه الإحصائي.

وبذلك أقامته على ثلاثة أبواب ومقدمة ضبطت حدود الإطار النظري الذي سعت عبره الباحثة إلى ضبط الإشكال الموضوعي للدراسة، وبسط أهميته وأهدافه، ومراحل تصميمه، وفي سياق هذا العرض النظري برز التصريح بالمنهج النقدي التحليلي، والعدة الأدبية المعتمدة للتعاطي مع المتون الشعرية الصوفية المقترحة للدراسة، والتعريف ببعض رجالات تازة وعلمائها، بغية تحديد الإشكال الموضوعي ووضع الظاهرة الأدبية المدروسة في سياقها، وقد سار في أعقاب المقدمة مدخل نظري سيّج الوضع الثقافي والحضاري العام بالمغرب خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين وانعكاساته على متصوفة تازة، ولئن خصص الباب الأول لتتبع الحركة الفكرية والأدبية بتازة، ومدى تأثرها بالفكر الصوفي، فإن الباب الثاني انكب على البحث في القضايا الموضوعية في شعر متصوفة تازة المدروسين، بينما الباب الثالث انفتح على الظواهر الفنية ورصد المكونات النصية الداخلية صوتيا وإيقاعيا ومعجميا وبلاغيا.

ليكون هذا التصميم بوصلة الإبحار في الظاهرة الشعرية الصوفية ونبراسا يضيء قضايا الكتاب التي سنتوقف عندها برؤية وصفية هي بطاقة تعريف بهذا العمل الذي أضاف لبنة جديدة إلى لبنات البناء الثقافي المغربي، وإضافة نوعية إلى البحث الأكاديمي، سيما وأن الدكتورة ربيعة بنويس دقيقة في تحليل المتون مدركة تمام الإدراك أن»كل اختيار للمواد المعدة للرصد يحتوي جانبا اعتباطيا لا محيد عنه، فيشترط في المتن أن يرضي قاعدتين متناقضتين: أن يكون محصورا بما فيه الكفاية حتى لا يثبط عن البحث، وواسعا بالقدر الذي يسمح بالاستقراء«[3]، فحصرت مختاراتها في نصوص الشيوخ الثلاثة إبراهيم التازي، وأحمد زروق، ومحمد بن يجبش، ووسعت دائرة بحثها بتعرية العوامل المؤثرة خارج النصية، والالتفات إلى أسماء أدباء وعلماء داروا في فلك الشيوخ المنتقين، وأثروا في تجاربهم الإبداعية، ولعل اختيار ثلاثة أعلام قد يبدو قليلا بالنظر إلى اتساع الشعر الصوفي المغربي، بيد أنه معطى منهجي له وزنه، ودقة انتقائية كفيلة بالانفتاح على أصالة التجربة الشعرية الصوفية خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين.

متصوفة تازة في سياق التحول الثقافي والحضاري العام بالمغرب:

أضحى من المسلم به أن قراءة النص في نطاقه الداخلي الضيق، يفقده سحر الامتداد التأويلي، ويحكم بعقم دلالته ومحدودية رؤيته، مادام »العمل يخلق أيضا جمهوره، وبهذه الطريقة يوسع من دائرة الاتصال، ويدشن نماذج جديدة من الاتصال«[4]، مسلمة حضرت في وعي الباحثة وهي تصنف مباحث مدخل كتابها، التي خصصتها للبحث في المجالات الحيوية الكبرى، والنظر في الوضع السياسي المضطرب والضعيف خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين في ظل حكم المرينيين والوطاسيين الذين ورثوا ضعف أسلافهم ثم السعديين، مما انعكس على نمو البلاد وتسبب في تراجع اقتصادها، وتردي أحوالها الاجتماعية، أمام انتشار الطاعون وتوالي الانقسامات العرقية وتفاقم الانهيار العمراني الذي دشن مشروعه الغزو الأجنبي بتخريب المنشآت العمرانية في عدة مدن مغربية، وفي ميدان هذه الأوضاع المنهارة لم تكن الثقافة والفكر أحسن حالا، إذ خفّت لهيب الاهتمام بالحياة الفكرية خلال هذه الفترة التاريخية، وقد لخصت الباحثة أسباب هذا الضعف الثقافي والفكري في ثلاث نقاط:

  • سيطرة المذهب المالكي وتحكمه في الحياة الفكرية للمغرب؛
  • الضعف السياسي الذي عرفته المرحلة؛
  • مشاركة العلماء والطلبة في حركة الجهاد التي كان يترأسها المتصوفة ضد الغزو الأجنبي لشواطئ المغرب.

بيد أن هذا الضعف الفكري لم يقطع الصلات الثقافية بين أقطار المغرب العربي، حيث كثرت الرحلات التي وجهتها رغبة دينية لزيارة بيت الله الحرام والتبرك بالمقام الشريف، وأخرى علمية للنهل من العلوم المشرقية، مما زرع حيوية في الحركة الثقافية وازتها حركية روحانية فسحت المجال أمام انتشار الطرق الصوفية في مختلف أقطار المغرب العربي، ولما كان المغرب محافظا على سيطرة المذهب المالكي، فإن التصوف السني شاع سناه في هذا القطر، سيما مع تزعمه لحركة الجهاد ضد الإسبان والبرتغال، لتجتمع جهود فقهاء المالكية والمتصوفة لإصلاح المجتمع، وتنير وظيفة المساجد والزوايا أفق تشجيع الحركة العلمية، خصوصا وأن مؤسسة الزوايا قد تفرعت وظائفها ما بين الاجتماعي والديني والتعليمي والسياسي والعسكري.

خضوع الحركة الفكرية والأدبية بتازة لسحر الفكر الصوفي:

إن منطقية التحليل وموضوعية الرؤية الممنهجة، وجهت الدكتورة ربيعة بنويس نحو التدرج في تناول قضايا كتابها، وتضييق دائرة البحث بربط الظواهر الخاصة بسياقاتها العامة، وبحصر رؤيتها في تتبع خصائص الحركة الفكرية والأدبية بتازة ومدى تأثرها بالفكر الصوفي، وذلك بالنظر إلى صورة الأدب والفكر بتازة، حيث اتجهت إلى تحديد الموقع الاستراتيجي لمدينة تازة، وأهميتها التاريخية والعسكرية والاقتصادية منذ عهد الرومان، وكيف تحولت وجهة جاذبة للدول المتعاقبة على حكم بلاد المغرب، مما كفل لها موقعا في قلب الأحداث التي عرفتها البلاد في مختلف مناحيها مثلما كفل لها أهمية ثقافية على عهد المرينيين والوطاسيين، كيف لا وهي معبر العلماء والفقهاء والحجاج الأندلسيين والمغاربة المتجهين إلى الديار المشرقية، فازدهرت علميا وتكاثرت أعداد العلماء بها حتى أصبحت ثالثة مدن المغرب الكبرى، وقبلة للمستفيد والمُفيد معا، وفي هذا السياق استشهدت الباحثة بالأسطول الذي غرق بشاطئ تونس والذي ضم ما يفوق الأربعمائة من العلماء الذين ذكرت منهم:

  • الفقيه الفيلسوف محمد بن محمد بن البقال التازي؛
  • إبراهيم التسولي التازي أحد أساتذة لسان الدين بن الخطيب؛
  • الشاعر أحمد بن شعيب الجزنائي؛
  • الفقيه النوازلي حامل راية المذهب المالكي بالمغرب؛
  • الكاتب ابن دلامة.

مشيرة إلى أن الثقافة السائدة بين أقطار المغرب العربي في جانبها الصوفي تأثرت بالشيخين إبراهيم التازي والشيخ أحمد زروق البرنوسي، ويضاف إليهما الشيخ محمد بن يجبش التازي، ثلاثي تربّع على عرش الدراسة التحليلية داخل هذا الكتاب لأهميته:

 

 

إبراهيم التازي

– سلطان العلماء والأولياء.

– رحل إلى مكة والمدينة.

– أخذ العلم عن كبار علماء تونس، وعالم تلمسان ابن مرزوق.

– استقر بوهران وأخذ العلم عن شيخها محمد بن عمر الهواري.

 

أحمد زروق البرنوسي

– محتسب العلماء.

– استقر بليبيا وبمصراتة.

– وجدت زاويته بمصراتة وكانت قبلة للحجاج والمتصوفة الزروقيين.

 

 

محمد بن يجبش التازي

– المتصوف المجاهد

– جمعته علاقات حميمية مع علماء وأدباء وفقهاء أقطار المشرق العربي دون أن يغادر إليها.

– اطلع على علوم الفقه وخلف قصائد شعرية يمدح فيها بعض شيوخه غير المغاربة.

تعود الباحثة مرة ثانية إلى السياق الأدبي بتازة والذي اصطبغ بصبغة دينية فقهية في شقيه النثري والشعري، مع مبدعين أغنوا الحركة الأدبية إلى جانب الشيوخ الثلاثة السابقين، في مواضيع عديدة من قبيل التأكيد على أهم العلوم، النظم في قواعد القراءات والتجويد، وفي غريب القرآن، علاوة على أغراض المدح والوصف والغزل والفخر، وترى الدكتورة بنويس »أن الجانب الذي برع فيه الشعراء المغاربة والتازيو الأصل بصفة خاصة هو الجانب الصوفي، حيث خلف أدباء مدينة تازة الكثير من المؤلفات والقصائد الشعرية التي تعبر عن اتجاههم الديني الصوفي«(ص.82).

وبما أن مرتكز الظاهرة الشعرية المدروسة طاف بالتجربة الصوفية في أبعادها الروحية والواقعية والفنية، فإن الدكتورة ربيعة بنويس استجابت لمقتضيات السياق المنهجي، فعرفت مفهوم التصوف في جانبه الفلسفي وتوزع دلالته بين الهروب من الواقع والاغتراب عن العالم وعن الذات، وبين كونه وسيلة لفهم الحياة المادية ومحاولة خلق التوازن النفسي بينه وبينها، دون أن تترك السيادة للإطار النظري على حساب الجانب التحليلي- التطبيقي، برصد خصائص التجربة عند الشعراء المغاربة المتصوفة الذين ارتبطوا بالجو الفكري والسياسي العام للبلاد، وبذلك تحددت اتجاهات الشعر الصوفي التي حصرتها الباحثة في اتجاهين:

  • اتجاه يعبر عنه أصحابه بلغة بسيطة سهلة واضحة، ينطلق من وجوب تبسيط تعاليم الإسلام؛
  • اتجاه يعبر عنه أصحابه بلغة غامضة مليئة بالرموز المستمدة من الثقافات الأجنبية.

وبناء على هذا التصور قسمت التصوف والشعر الصوفي المعبر عنه إلى قسمين كبيرين:

الأول: التصوف السني.

الثاني: التصوف الفلسفي الإشراقي.

دون أن تتجاوز آراء مجموعة من النقاد والدارسين حول هذا التقسيم الثنائي، وتستدعي إلى مجرتها أعلام التصوف العربي بتوجهاتهم الفلسفية، قبل أن يحملها تيار السؤال والمساءلة لدلالات إشراقية حول القطب وقطب الأقطاب عند الجيلاني، وفي هذا المقام يلبسها الاستغراب لسير الشيخ أحمد زروق على خطى عبد القادر الجيلاني في معارضته لقصيدة “الوسيلة”، على الرغم من أن التصوف المغربي كما قالت الباحثة:»منذ نشأته إلى القرن الهجري العاشر وما بعده، ارتبط في جل طرقه بالكتاب والسنة، واستقى منابعه الأساسية من نصوصها، وإن كانت الطريقة الشاذلية المغربية المعتدلة في مبادئها وأصولها، والتي تنبني على علمي الظاهر والباطن، بمعنى الجمع بين الحقيقة والشريعة، هي التي استطاعت، بفضل اعتدالها ومرونتها أن تعرف انتشارا كبيرا بين الغرب والشرق«(ص 117).

ثم حصرت الأهداف الأساسية للتصوف المغربي خلال المرحلة المدروسة في ثلاثة: أولها روحي، وثانيها عسكري، وثالثها إصلاحي، لتتبينها في أشعار الشيوخ التازيين إبراهيم التازي وابن يجبش وأحمد زروق.

القضايا الموضوعية في شعر متصوفة تازة المدروسين:

إن طبيعة التجربة الروحانية تجذب المتصوفة إلى نطاق التعبير عن خصوصياتها العرفانية ودلالتها الوجدانية التي تمد الصلة بين الذات العارفة والعالم العلوي بقداسته وغيبيته، دون أن تنفصل هذه الذات عن عالمها السفلي، وقضاياها الدنيوية، إذا كان ديدنها سنيا معتدلا كديدن التصوف المغربي، وهو الأمر الذي اتخذته الدكتورة بنويس منطلقا في تصنيف المجالات الموضوعاتية المنسلة من بين جنبات قصائد الشعراء المتصوفة بمدينة تازة، والتي توزعت إلى المجالات التالية:

مجال روحاني علوي: الإنفاق والكرم، القناعة والرضى والشكر، إسداء النصح، الشجاعة في قهر النفس، ذم الغيبة والنميمة، الصدق، التجاوز والعفو، الزهد والإعراض عن الدنيا، التوحيد، المشاهدة والكشف، تربية النفس ومخالفة هواها، المجاهدة، المحبة، التوبة، التوكل، الصبر، التقوى، الخوف، التوسل والرجاء.

مجال وجداني أوسط: الدعوة للوالدين،  الدعوة لأولي الأمر من المسلمين، الدعوة لأهل العلم، التوسل بالأولياء والصالحين.

مجال دنيوي أسفل:الدعوة إلى طلب العلم والتعلم، جهاد العدو ومواجهة القوى الاستعمارية.

فضلا عن أغراض شعرية أخرى أغنت الإبداع الشعري الصوفي التازي وحملته إلى السير في أعقاب الإبداع العربي المشرقي، من قبيل:

      • المدح النبوي: وسمته العاطفة الصادقة حين التغني بأخلاقه وشيمه وصفاته صلى الله عليه وسلم، والبوح بالشوق لزيارة مقامه الكريم، وقد سار إلى جانبه بنور خافت مدح بعض العلماء والشيوخ والأولياء.
      • الغزل: خرج هذا الغرض الشعري من جبة القصيدة التقليدية وغادر بساطة التعبير، ليرتدي جبة الرمز مع المتصوفة الذين أدركوا الحقائق عبر مجاهدة ومكاشفة أنارت أمامهم سبيل الحب الإلهي، فتغنوا بمناجاة عذبة رقيقة تسبح فيها الذات العارفة في أفق التأمل والتدبر، باحثة عن السلام الروحي، فانقلب هوان العشق وعذابه عزا ونعيما عند إبراهيم التازي، وغادر الملل ابن يجبش حين وقوفه بباب الحبيب طالبا وُدّه وقربه، ليتحول في سياق هذا القول الشعري جمال المرأة إلى قناع يتغنى في شعابه الشاعر بوصف الجمال الإلهي أصل كل جمال، والتهبت نار العشق فتذوقها الصوفي خمرة، سال معجمها على هضاب النظم عند إبراهيم التازي، إلا أن معجم الغزل والخمرة عند هؤلاء الشعراء لم يدخلهم إلى الإغراق في الترميز والتعمية والغموض، إذ كانت أساليبهم واضحة فاضحة لمرامي التعبير عندهم.

ظواهر فنية في شعر متصوفة تازة المدروسين:

غادرت الدكتورة ربيعة بنويس ضفة الحدود التنظيرية والتحديدات الموضوعاتية داخل القصيدة الصوفية التازية، لتحط الرحال بضفة البناء الشكلي والإيقاعي والأسلوبي، فأبرزت الأنواع الشكلية في صناعة الشعر المغربي عند شعراء المرحلة المدروسة والتي توزعت إلى:

    • القصائد: ذات نظام الشطرين والمعيار الخليلي على مستوى الوزن والقافية والروي، وقد شاعت في القول الإبداعي عند الشيخ إبراهيم التازي والشيخ ابن يجبش، بتنويعات وزنية اتخذت من الوحدات المتماثلة في بحر الطويل وبحر الكامل مقياسا إيقاعيا، وازته عنايتهم بالقوافي المرصعة بالروي “التاء” لتدليله على التوحيد، دون أن يغادر دربهم الشيخ أحمد زروق.
    • المقطوعات:مجموعات لا تتعدى أطولها ستة أبيات، وقد تخللت كتاباتهم النثرية على نحو ما وُجد عند الشيخ ابن يجبش التازي، بموضوعات مختلفة،»سواء أكانت دفقات وجدانية عبّر بها الشاعر عن مواجيده وعشقه للذات الإلهية، أم كانت خواطر تسفر عما يختمر في ذاتية الصوفي من أفكار وتجارب، فإنها تضمنت أحيانا بعض الحكم الجميلة التي استقاها الشاعر من تجاربه الطويلة في الحياة، صاغها في قالب فني جميل، مراعيا فيها قواعد الشعر وخاصة احترام الوزن والقافية«(ص 414)، فزاد التنويع الوزني في هذه المقطوعات التي نظمت على أوزان مختلفة امتدت إلى ما بين الخفيف والرمل والبسيط.
    • المعارضات: على الرغم من أصالة هذا الفن إلا أن سيماء تفرده لدى المغاربة، نبعت من إعجابهم بنماذج متنوعة، وفي هذا السياق بسطت الباحثة دراستها المقارنة بين منفرجة” ابن يجيش المعارِضة و”منفرجة” ابن النحوي المعارَضة على مستوى الوزن والقافية والروي، وكذا الدلالات والموضوعات لتعري أوجه الائتلاف والاختلاف بين المنفرجتين، كما طرقت باب معارضة الشيخ أحمد زروق بقصيدة تائية لقصيدة “الوسيلة” للشيخ عبد القادر الجيلاني، والذي كان فيها أكثر وفاء لخصائص المعارض مقارنة مع سابقه ابن يجبش.
    • التشطيرات: أي تعلق كلام الشاعر بكلام غيره »ويعتبر ابن يجبش من بين الشعراء المدروسين الذي كان له ولع خاص بالتشطيرات والتخميسات« (ص 420)، ولكي لا يبقى الحكم أسير المجازفة التلفظية، أوردت الدكتورة ربيعة بنويس مجموعة من تشطيرات ابن يجبش على بردة البوصيري.
    • التخميسات: تقول الباحثة في ضبط المفهوم »والتخميس هو أن ينظم الشاعر “ثلاثة أشطار (أو صدور) على روي صدر البيت المطلوب تخميسه ليكون البيت مؤلفا من خمسة شطور بدلا من شطرين”، ويلتزم فيه صاحبه بقافية واحدة تحكم الصدر والأبيات الثلاثة المضافة، في حين ينتهي الشطر الأخير من كل خمسة أشطر بالقافية الأصلية للقصيدة« (ص 423)، وقد استدلت على توجهها بتخميس ابن يجبش على البردة، وتخميسه الثنائي على قصيدة “الشريفة” لعبد القادر الجيلاني، ثم تخميس آخر لقصيدة الونشريسي في مدح “إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك”.
    • المنظومات:»تلك المتون التي ينظمها أصحابها لهدف تعليمي بالدرجة الأولى« (ص428)، ولا تقتصر على علم أو فن دون آخر، لما يسمها من خفة موسيقية تسهل عملية الحفظ، وقد التفتت الباحثة في هذا السياق إلى أرجوزة للشيخ ابن يجبش مجمل أبياتها»ثمان وسبعين بيتا، في معاني الأربعين حديثا في الوصايا والآداب النبوية التي رواها سلمان الفارسي رضي الله عنه«(ص429).

أما عن الجانب الموسيقي، فقد تطرقت الباحثة إلى النظر في الأوزان والقوافي في أشعار المتصوفة المدروسين، مستعينة بالمنهج الإحصائي لإثبات ميلهم إلى الأوزان الطويلة بدل الأوزان القصيرة التي كانت أقل حظا في قصائدهم، دون أن تقفز على توزيع الأغراض الشعرية على الأوزان قبل أن تلج ميدان الكتابة العروضية، والبحث عن خصائص الوزن بين البطء والهدوء والثبات، والسرعة والحدة والتوتر، كما أن قوافيهم لم تغادر الركب الخليلي فتوزعت بين:

      • القافية المتواترة؛
      • القافية المتراكبة؛
      • القافية المترادفة؛
      • القافية المتداركة.

هذا التنوع في القوافي أغناه تنوع الأرواء الذي شمل معظم الحروف الهجائية وإن بنسب متفاوتة بين الشعراء الثلاثة المدروسين، وهو أمر أثبتته الباحثة برؤية موضوعية عبر جدول إحصائي، وقد استوقفها شيوع حرف التاء في القصيدة الصوفية التازية على غرار ما شاع لدى ابن الفارض، مثلما شاع لديهم التضمين وإن كان قد عابه القدماء، دون أن تقع هذه القصائد في اليتم البديعي، حيث أخذت بأسباب الصنعة اللفظية من تصريع وترصيع وتقطيع وتقسيم وتطريز وتكرار وجناس وتصدير وطباق ومقابلة، برهنت الباحثة على وجودها النصي بمقتطفات شعرية بعيدة عن الضعف التحليلي، لتثبت تميز الكتابة الشعرية الصوفية التازية، سيما حين رصعها أسلوب بديعي، اقترن فيه المعجم الصوفي وفروعه الدلالية وحقوله المعرفية بأساليب الاقتباس والتضمين، التي حطمت السياج المغلق لتترك المجال لانفتاح القصيدة على نصوص حقل الأدب العربي، عبر آليات نظمية صريحة تراوحت بين المعارضات والتشطيرات والتخميسات، فضلا عن الاقتران بالنص القرآني الذي ظل في نظر هؤلاء الشعراء نموذجا ساميا للكتابة، ومرجعا أصيلا للشعراء المتصوفة الفقهاء عامة والتازيين خاصة، ثم يعتلي عرش الاقتباس بعده نص الحديث النبوي الشريف لقداسته ووظيفته التوضيحية، دون غض الطرف عن السير على خطى الموروث الشعري لفقهاء ومتصوفة وأدباء من طينة ابن قيم الجوزية، وصمة بن عبد الله القشيري، وابن عربي، وعبد القادر الجيلاني، فضلا عن توارد الجمل بين الشعراء الثلاثة أنفسهم؛ إبراهيم التازي، ابن يجبش، أحمد زروق.

وتستمر الدراسة في الكشف عن خصائص البنية الداخلية، عبر مساءلة التركيب النحوي، والنظر في النسيج اللغوي الذي تأرجح بين الوضوح والبساطة، بين الرقة والتأثير، الأمر الذي ساق الباحثة إلى وضعها في ميزان قيمي عبرت عنه قائلة:»وانطلاقا من الوضوح والبساطة التي ميزت الخطابات الشعرية لشعرائنا الثلاثة، استطعنا أن نحكم على لغة هذا الشعر بأنها تخدم المضمون على حساب الجانب الجمالي الفني، وهو مضمون لم يبتعد في عمومه عن الأغراض الصوفية من حب إلهي، وغزل صوفي، ودعوة إلى الجهاد، وشعر في الزهد والتوسل والمديح النبوي وغيرها؛ ومع ذلك جاءت عباراتهم رقيقة، ولغتهم مؤثرة نابعة من العاطفة القوية التي يمتلكونها والقادرة على تحريك النفوس والمشاعر« (ص541)، مفعمة بأفعال كلامية تفصح عن العلاقات الانفعالية بين الذات الناطقة ومخاطبيها في سياقات مختلفة، تحول معها فعل القول من المباشرة الجافة إلى التعبير البلاغي الكاشف عن أحوال العارف وسلوكاته، موزعة في مكوناتها الخيالية بين التشبيه والاستعارة والكناية والتشخيص بدلالات تقليدية، وحضور ضئيل قرب العبارة الشعرية في التجربة الصوفية التازية من الكلام المنثور، ومرد ذلك في نظر الدكتورة ربيعة بنويس إلى ثقافة الفقهاء التي تشبع بها هؤلاء الشعراء من جهة، وإلى تراجع القيم الدينية في مقابل سيطرة القوى الأجنبية وتصارع الحكام حول الحكم من جهة ثانية، مما جعل من هؤلاء الشعراء المتصوفة مصلحين في قطرهم التازي يحتفون بالرسالة أكثر من الجمالية في إبداعاتهم، غير أن قدرتهم على التعبير عن مواجيدهم الروحانية ومواقفهم الاجتماعية لم يشبها العقم الدلالي والعجز المعجمي.

تقف الباحثة على شط الرحلة التحليلية، معتلية صخرة الختم، بحصيلة نهائية لدراستها المتطلعة إلى إثبات انخراط متصوفة تازة في المناخ العام للبلاد، وغوصهم في قلب الأحداث المتقلبة والأوضاع المنهارة رافعين شعار الإصلاح، مخاصمين لكل تطرف وغلو في مذهبهم العرفاني، مما وسم تجربتهم بسيماء الأخلاقي والتربوي، مقيمين صرحا ثقافيا بمقومات تمتص خصوصيتها من تمييز مكان النشأة، ليقف متراصا مع صروح الثقافة المغربية في شموليتها.

من قبيل القراءة الثانية:

يمكن القول إن أهم ما ورد بين دفات هذا الكتاب، لا يقتصر على تحليل وصفي إحصائي للظاهرة الشعرية الصوفية المغربية خلال الفترة المدروسة، بل يمتد إلى الكشف عن رؤيا نقدية تعقد الصلة بين خصائص النص وطبيعة التلقي، فلا غرو أن الدكتورة ربيعة بنويس تطلعت إلى إثبات الدور الفعال الذي لعبه متصوفة تازة في تحقيق طموح تغيير الواقع وتحرير البلاد من المد الأجنبي، ولكن في الآن ذاته كانت تروم من وراء جمعها لمتون منسية وقراءتها عبر المساءلة وتمحيص مبناها ومعناها، مشاكسة القارئ ليدرك خصائص الكتابة الشعرية الصوفية التازية وقيمتها الإبداعية والإصلاحية، ويرتقي إلى أفق الذوق الفني المحايث لتذوق الباحثة لنصوصها، إذ عجزت عن التحرر من الانفعال التأثيري في قراءتها النقدية، حيث:»يشكل الذوق الشخصي الخطوة الأولى في دراسة الفن، ففي القراءة الأولى لا يمكن التخلص من سلطة الذوق، إلا أن هذه السلطة تضعف تدريجيا عبر تعدد القراءات وحضور القدرة على التحليل«[5]، والباحثة لم تتوقف عند قراءة واحدة نمطية، مما جعل القوة التحليلية صمام الأمان داخل الكتاب، الذي امتلكت صاحبته مشروعا لرؤيا نقدية تسعى إلى تقديم صورة عن الشعر الصوفي التازي خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين، بوصفه جزءا من منظومة ثقافية كلية، وبناء فكري بعيد عن القطيعة الزمنية، تتوالى مراحله لترسم السابقة خطى اللاحقة.

إن ما يمنح هذه الدراسة تأثيرها أنها تعلن عن أهمية البحث في التراث الثقافي لمدن مغربية، انحرفت بها دواعي التحضر إلى نطاق التهميش، حتى جانبتنا الغفلة عن الروافد التي تصب في نهر الثقافة المغربية، وتقدم قراءة لنصوص لم تطلها يد الدارسين، عن وعي بأن »النقد الحقيقي هو إضافة جديدة، فهو يضيف إلى ذلك النص الشيء الكثير، بل إن قدرة النص على الإيحاء تجعل النقد يعيد خلق النص إلى درجة يصبح فيها النقد الجيد خلقا جديدا، خاصة وأن كل تفكير لابد له من مثير، وإذا كان الأديب يكتب تحت تأثير حافز ما فإن الناقد أيضا يحتاج إلى مثير وهو هنا النص الذي ينقده«[6]، ومجموع النصوص المختارة للدراسة داخل هذا الكتاب حملت من المثيرات المعرفية والفنية والتاريخية، ما يكفل لها تحفيز الفضول المعرفي، والتنقيب التحليلي والرؤية النقدية، التي تضمن لها حياة ثانية في سياق القراءات المتعددة.

خاتمة:

تمكنت الدكتورة ربيعة بنويس آناء سيرورة عملها الأدبي من مقاربة نماذج شعرية تمثل مرحلة متفردة من مراحل البناء الثقافي، وسمها الصراع والانهيار، ولكنها شيدت أسس معمار فكري وفني بخصائص إبداعية عانق التحليل تشكيلاتها الموضوعاتية واللغوية والتصويرية والإيقاعية، جاعلا من الأوضاع الخارجية منطلقا لفهم مكامن الضعف الفني حينا، والقوة الإصلاحية حينا آخر، مستجليا الخصائص الشعرية في نصوص طوتها الذاكرة وعبرت دهاليز الإهمال لتدفن في قبو النسيان إلى جانب قائمة طويلة من إبداع الشعراء المتصوفة في القطر المغربي، فالباحثة عادت إلينا بمتون لم نقرأها من قبل، لتقدمها في بناء منهجي يزاوج بين الصرامة التطبيقية والانفتاح الدلالي والفكري، فتتوجها بمجموعة من النتائج التي هي وليدة قراءتها الخاصة لنصوص شعرية، تصارع في ميدانها الروحي والوطني والفكري والجمالي، ليبقى الكتاب احتفاء بشيوخ التصوف في قطب مغربي وسمته العراقة الثقافية والروحية، وكتب تراثه بمداد التميز التاريخي والأدبي على صحف المدن المغربية العريقة، مما يدفعنا إلى التساؤل: هل هذه المقاربة التحليلية تقف عند حدود إحياء نصوص شعرية طوتها الذاكرة؟ أم أنها احتفاء بثقافة مدينة عريقة؟ أم هي التوقيع على بطاقة هوية سيرة روحانية لمدينة تازة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

– أقضاض محمد: النقد الأدبي والفضاء الثقافي، الناشر الحوار الأكاديمي والجامعي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1991م.

– بول ريكور: نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية، 2006.

– جان كوهن: بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986م.

– رولان بارت: س/ز، ترجمة وتقديم وتعليق محمد بن الرافه البكري، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى،  2016م.

– محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 1992م.

[1]– محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة،1992م، ص:168.

[2]– رولان بارت: س/ز، ترجمة وتقديم وتعليق محمد بن الرافه البكري، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى،  2016م، ص:37 (بتصرف).

[3]– جان كوهن: بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986م، ص 13.

[4]– بول ريكور: نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية، 2006، ص:63.

[5]– أقضاض محمد: النقد الأدبي والفضاء الثقافي، الناشر الحوار الأكاديمي والجامعي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1991م، ص:64.

[6]– المرجع نفسه، ص:61.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.