كتاب “فلسفة الجسم عند ابن رشد” للباحث العراقي حسن مجيد العبيدي

قراءة ومراجعة

لا نتزيّد في القول والمبالغة متى قلنا إنَّ إصدار الباحث الأكاديمي حسن مجيد العبيدي لكتاب: “فلسفة الجسم عند ابن رشد” (2018) هو تتمة وتكملة لمشروعه الفلسفي والتاريخي حول التراث الفلسفي العربي الكلاسيكي، وهو الباحث المقتدر الذي حرر الكثير من النصوص، تأليفاً و تحقيقاً وتعليقاً وترجمة، والتي يمكن أن نذكر بعضها في هذا المعرض من قبيل: “المادة والصورة والعدم في فلسفة ابن رشد” (2007) و”تحقيق كتاب ابن سينا“، التعليقات (2002) وصدر كتاب: “من الآخر إلى الذات” (2008) و “كتاب جغرافية التفلسف” (2011) و “ترجمة وتعليق على كتاب ابن رشد، تلخيص السياسة” (1998).

جاء كتاب “فلسفة الجسم عند ابن رشد” (2018) موزعاً إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة[1]. وهو نص فلسفي رشدي يتشابك فيه الفحص الطبيعي والفحص الميتافيزيقي لبيان مبادئ الجسم ومنزلته في مشروع فيلسوف قرطبة ومراكش على أساس مدخل منهجي مفاهيمي يروم إلى بناء الدلالة أو المفهوم الطبيعي للجسم في فلسفة ابن رشد دون أن يمنع المؤلف في هذا الأمر من بيان الحيوية النقدية التي كان يجريها فيلسوف قرطبة ومراكش على فلاسفة اليونان السابقين على سقراط وآراء بعض الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا.

لقد رسم المؤّلف العراقي حسن مجيد العبيدي خريطة شاملة وعامة للدراسات الرشدية العربية الحديثة والمعاصرة مؤكداً على أنّ جميع هذه المشاغل والتصورات قد أسهمتْ بقوة بارزة في تجديد القول الرشدي ومحاولتها بناء تصور علمي ومنهجي، بيد أنّها لم تلتفت إلى الفلسفة الطبيعية عند أبي الوليد بن رشد. يقول د. العبيدي في هذا الأمر: « قامتْ عدة دراسات علمية متخصصة لقراءة فلسفة ابن رشد من أجل تقديم تصور علمي منهجي لفلسفته إلاّ أنّ ما يميز هذه الدراسات أنها أكدتْ جانباً معيناً من جوانب فلسفته، وتركتْ جوانب أخرى قابلة للدرس والتحليل العلميين مما فتح الباب على مصارعه لبحث هذه الجوانب من قبل الباحثين، وهذا هو أحد الدوافع الرئيسة لمشروعنا بحثنا هذا»[2]. إذ إنّ القراءات والدراسات للتراث الرشدي قد أمعنت النظر أيما امعان في الجوانب الدينية والوجودية والمعرفية والفقهية – التشريعية دون غيرها[3]. وهكذا، استطاع الباحث العراقي حسن مجيد العبيدي أنْ يراهن في دراسته وقراءته على بيان الجانب الطبيعي في القول الرشدي؛ وهو الجانب الذي لم « يخضع للدرس الفلسفي الأكاديمي ولاسيما موقفه من الجسم الطبيعي ومبادئه (الهيولى والصورة والعدم[4]. ويظهر أنّ هذا المشغل الفلسفي قد آثار لدى المؤّلف صعوبات ايبستيمولوجية ومنهجية وتاريخية ترتبطُ بالمتن الرشدي وقطاعاته العلمية المختلقة: منطق، طبيعيات، علم ما بعد الطبيعة، سيكولوجيا، طب، فقه وأصول. وهذا ما ردده بقوله: « هل أنّ ابن رشد سير في خط منهجي فلسفي واحد أم له عدة آراء فلسفية تتناقض فيما بينها؟ بمعنى هل ابن رشد له أكثر من لغة خطاب فلسفي ومستوى معين في طبيعة التفلسف؟ […] هل نجد ما نبحث عنه هنا في هذا الكتاب من موضوعات الجسم ومبادئه في المصادر الطبيعية تبعه ولاسيما كتابه السماع الطبيعي أم في مصادره الأخرى ولا سيما الميتافيزيقية المنطقية؟»[5]. وعطفاُ على ذلك، نقول إنّ فيلسوف قرطبة لم يكن يتحدث إلاّ لغة فلسفية واحدة، فهو «يتكلم بلسان واحد في كلّ هذه المؤلفات»[6]  الطبيعية والميتافيزيقية والكلامية فضلا عن ذلك كان ابن رشد يرنو إلى تكريس نظرته الفلسفية المتكاملة[7] بين السماع الطبيعي والكون والفساد وجوامع ما بعد الطبيعة وتفسير ما بعد الطبيعة وبقية العلوم الفلسفية الأخرى.

أولاً. مفهوم الجسم: في المبادئ والعلوم

حرص الباحث العراقي حسن مجيد العبيدي على أن يبرز علاقة العلوم الجزئية بالعلم الكلي (الفلسفة الأولى) وموضوعهما ومبادئهما على أساس أنّ تلك العلاقة لم تكن علاقة منطقية فحسب بقدر ما كانت علاقة مضطربة؛ إذ من له الحق في النظر في المبادئ، هل العلم الكلي أم العلوم الجزئية؟

يقول المؤّلف: «وبهذا يصبحُ العلم الكلي عند ابن سينا علماً تقوم عليه العلوم الجزئية وتستمد قوتها منه»[8]، وأما ابن رشد فيكون طلب العلم الكلي للمبادئ الأولى للموجود بما هو موجود طلباً بالذات، وطلب العلم الجزئي طلباً بالعرض[9]. وبهذا الاعتبار،  بالمبادئ التي يضعها العلم الكلي أو الصناعة الكلية تكون لجميع أجناس الهويات والعلم الطبيعي يأخذ ما يناسب موضوع نظرها. ويتحقق من هذا، أنّ العلم الكلي يفحص الموجود أو الجوهر بإطلاق، في حين أنّ العلم الطبيعي يفحص الموجود أو الجسم المتغير والمتحرك[10] أو لنقلْ بعبارة أدق إنّ الفلسفة الأولى أو العلم الكلي يحرص أيما حرص على النظر في المادة وفي المحرك الأول من حيث هما أحد أنواع الموجودات لا من حيث هما أسباب للحركة[11]. لا يغيب عن نظرنا أنّ هذا الموقف الرشدي– الأرسطي لم يتشكل في مشروعه العلمي إلاّ بعد نقد التراث الفلسفي- الفيضي ورؤيته لعلاقة العلم الإلهي بالعلم الطبيعي وحسبنا قول المؤلف د. العبيدي في هذا المعرض: «إذ أكد أنّ العلم الطبيعي هو علم مستقل عن الإلهي، وأصل ذلك أنّ ابن رشد اعتمد الطريق الطبيعي في النظر إلى الموجود الحسي ثم ترقى منه إلى الموجود المطلق وهو ما يسمى بطريق الجدل الصاعد من المحسوس المجرب إلى المعقول المجرد وهو ردْ فلسفي على الفيلسوفين الفيضيين الفارابي وابن سينا اللذين اعتمدا الحل الميتافيزيقي»[12].

لنبادرُ بالقول إنّ دفاع ابن رشد عن استقلالية العلم الطبيعي عن العلم الكلي أو الفلسفة الأولى[13] إنما كان له خواص ومؤشرات واضحة من قبيل أنّ الطبيعة مبدأها الحركة وهي حركة ذاتية ليست بفعل قوة خارجية،وهي قوة ذاتية تحدث التغير والانفعال والفعل وهذا على خلاف الموجودات الصناعية التي يكون فعلها وفاعلها من الخارج[14] بيد أن ابن سينا سوف يحولُ مسار التفكير في حد الطبيعة من الوضوح والبداهة إلى التشكيك فهو لم يعتبر أنّ الطبيعة بيّن بنفسه لذلك نحن في حاجة ماسة إلى الميتافيزيقا التي تتكفل ببيان حدّها. يقول المؤلف لبيان حيوية النقد الرشدي: « إنّ البرهنة على وجود الطبيعة يتكفل بها العلم الطبيعي نفسه، ولو برهنتْ في العلم الإلهي لوجب أن تبرهن من أمور أقدم منها وأعرف عندنا، وذلك غير ممكن،كما وقع ابن سينا بالخطأ عندما قال إنّ إعطاء أسبابها في العلم الإلهي مما يمكن فيه، وذلك لأنّ وجود الطبيعة في الأشياء الطبيعية بيّنة الوجود بنفسها، ولا يحتاج إلى علم آخر يثبت هذا الوجود»[15]. ولعل من الأمر البديع أن يتقاطع العلم الطبيعي والعلم الكلي في مسألة الصورة من حيث إنها الأحق بالنظر والفحص وذلك مردهُ إلى أنّ الصورة هي الغاية من الطبيعة وما بعدها بواسطة أنواع الحركة (النمو والنقصان) والانتقال من القوة إلى الفعل[16].

فلمكان الجسم  في العلم الطبيعي إنما يحتاج إلى الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق، فإنّ هذا لا يحيد عن القول بالامتداد وهو قول يحصر النظر في الجانب المادي أو العددي مما أدى إلى جوهرية هذه الأبعاد عند بعض الفلاسفة[17]؛ وهو التصور الذي رفضه ابن رشد حيث خلص إلى أنّ الأبعاد ليستْ جواهر بل أعراض. يقول الباحث: « لكن الأبعاد لا تكون ولا تفسد ولا توجد مرة واعدم أخرى، لأنها أعراض. والعرض كما هو معروف عنه يزول بزوال الجوهر الحامل له، لكنه لا يتكون من شيء ويفسد إلى شيء، ويفسد إلى شيء إلا إلى ماذا يفسد السطح والخط والنقطة وهي أعراض على وفق ابن رشد»[18]. كما شرع الباحث في هذا الكتاب إلى رصد بعض خواص الجسم الطبيعي من قبيل التناهي  والتمامية والاتصال. فالقول بلا تناهي الجسم يؤدي إلى محالات وشناعات كثيرة منها: استحالة الحديث عن حركة أو سكون،[19] أو أن الجسم غير متناه في المكان يكون لا يكون له حيزاً معيناً بل محله هو الكل وهذا محال[20] فضلا عن ذلك غياب الأطراف من الوسط وإلى الوسط ومن الوسط[21]. ويتحصل من هذا، أن لاتناهي الجسم هو لاتناهي بالقوة ولا يقبل ذلك بالفعل. إذاً، يرى ابن رشد أنّ «كلّ قوة في جسم هي متناهية إن كانت منقسمة بانقسام الجسم وكلّ جسم بهذه الصفة فهو كائن فاسد أي مركب من هيولى وصورة»[22]. ولا ليس منأى عن فكرة التمامية التي تعني أن يكون الجسم تاما لا نقصان وزيادة فيه وهذا يعني كذلك أن العالم جاء من كونه جسماً واحداً ومتناهياً وأنه محيط بجميع أجزائه ولا يحيط به شيء[23] بل أكثر من ذلك يحقق العالم وحدته وتناهيه وكليته من خلال مفهوم المتصل. يقول المؤّلف في هذا الشأن: «تبينّ إذن، أنّ الاتصال مفهوم أعم وهو جنس للخط والسطح والجسم، إذ أراد ابن رشد من وراء ذلك إثبات القسمة اللانهائية للجسم لإثبات عالم لانهائي، أي أنّ القسمة ولو أنها لا نهائية فإنها توجد محاطة بوحدة نهائية للعالم.هذا من جهة ومن جهة أخرى أراد ابن رشد من القول بالقسمة اللانهائية للجسم إثبات أن العالم لا بداية له وكذلك الزمان وعلى الرغم من ذلك فإنّ العالم عنده متناه بتناهي الجسم الطبيعي كما بينا»[24].

ثانياً­ مفهوم الهيولى: في اللواحق والأحكام

لقد نبه الأكاديمي العراقي العبيدي أنّ تشابك الفحصين في المتن الرشدي بين العلم الطبيعي وما بعد الطبيعة في مسألة الجسم والهيولى والصورة والعدم لذلك لم يتردد بين الفينة والأخرى من الإلماح بهذا التشابك والتداخل. فالهيولى هي موضع نظر المؤلفات الطبيعية (السماع الطبيعي، الكون والفساد…) حيث استطاع الشارح الأكبر أن يقف عند علاقة أنواع الحركات والتغاير بالهيولى[25] وموضع فحص النظر الميتافيزيقي الذي ينظر في الهيولى كجوهر بالقوة مع أولوية معرفة الصورة والغاية. يبدو أنّ الفحصين الطبيعي والميتافيزيقي لموضوع الهيولى إنما يرجع إلى بيان سبق السبب الصوري والغائي على السببين الهيولاني والمحرك. يقول الباحث مبرزاً هذا التميز والتداخل بين العلمين المومئ إليهما: «ينبه ابن رشد إلى أنّ التداخل الحاصل في دراسة الهيولى والصورة بين هذين العلمين، بعدّ أن علم ما بعد الطبيعة يدرس الهيولى والصورة ليس لأنهما من جملة اختصاصه، بقدر ما هما من اختصاص العلم الطبيعي، ولكن لتقارب هذه الدراسة في العلمين وضرورة استعمال أحدهما مبدءاً في الآخر، اضطر صاحب علم ما بعد الطبيعة إلى دراستهما بصيغة أعم وأكثر كلية وشمولية مما في العلم الطبيعي»[26].. وقد يكون التمييز بين الهيولى المطلقة[27] التي هي موضوع سائر الموجودات والكائنات حيث ليس فيها صورة ولا فعل، بل هي بالقوة والإمكان وما بين الهيولى الخاصة أو الهيولى المصورة التي ترتبط بصورة معين مشار إليها بالفعل[28]، ويترتب من ذلك أنّ دراسة الهيولى لا يستوي إلاّ ضمن مجالات فلسفية طبيعية وما ورائية[29].

أحسب أن أهمية الهيولى في العلمين الطبيعي والميتافيزيقي عند أبي الوليد بن رشد هو الذي دفع به إلى التدليل على جوهرية الهيولى من خلال الدليل الطبيعي والدليل المنطقي والدليل الرياضي[30]؛ فهذا كلّهُ، لبيان أنّ جوهرية الهيولى هو إمكان وقوة غير متعينة. عطفاً على هذا، فالقوة والتغيير والكثرة والفعل والحركة هي من لواحق الهيولى التي نظر فيها العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة.

من الواضح أنّ علاقة الهيولى بنظرية القوة والفعل هي علاقة وثيقة مما جعل ابن رشد يرصد لنا معاني القوة سواء كانت حقيقية أم استعارية[31]، بل فوق ذلك تمكن فيلسوف قرطبة ومراكش من إبراز البنية الداخلية للقوة من حيث إنهما قوتان في الشيء أي القوة المنفعلة والقوة الفاعلة. يقول المؤلف: «ومما تقدم يمكن القول إنّ القوة الفاعلة تكون دائماَ من قبل الصورة، في حين تكون القوة المنفعلة من قبل الهيولى […] وبحسب ذلك فإنّ كل قوة منفعلة مهما كانت طبيعتها فإنّ حد المادة الأولى مأخوذة فيها، ومثل ذلك قوة فاعلة، فإنّ حد الصورة الأولى مأخوذة فيها وهي البريئة من الهيولى»[32]. ثم، لا بد من الإشارة إلى أنّ مفهوم القوة وعلاقتها بالفعل والهيولى قد أثار الكثير من الصعوبات والشكوك من قبيل لا توجد القوة إلا مع الفعل، وعلاقتهما بالموجودات الحسية ومبدأ عدم التناقض[33].

ويستفاد مما تقدم أنّ مفهوم القوة والفعل من المفاهيم الرشدية الأرسطية التي أسهمت أيما إسهام في تفسير العالم وحركته وتغيراته أعني التغير في الجوهر (الكون والفساد) والنمو والنقصان والاستحالة[34]، بل الأكثر من ذلك سعى ابن رشد إلى تفسير صدور الكثرة عن الواحد. يقول الباحث: «ولتفسير حدوث الكثرة في الموجودات ربط ابن رشد بين الهيولى وبين التغير والقوة والاستعداد، بمعنى أنّ المادة الأولى وإن كانت هي واحدة من جهة الاستعداد والقوة إلا أنها كثيرة من جهة أخرى»[35]. وبهذا الاعتبار، فتفسير الكثرة في الوجود إنما يجد مربطهُ في لواحق الهيولى من الوحدة والحركة والتغير والقوة.

ثالثاً­ مفهوم الصورة: في اللواحق والأحكام

لا أحسب المفكر العراقي حسن مجيد العبيدي يخرج عن رؤيته المنهجية والفكرية في التعاطي مع مفهوم الصورة على غرار تعاطيه مع الهيولى. فهو يقتنع أنّ العلمين الطبيعي وما بعد الطبيعة متداخلين وتشابكين رغم تميزهما من حيث جهة النظر. ومن ثمة، فالصورة في العلم الطبيعي لها علاقة واضحة بالهيولى إذ إنه لا يمكن تصور جسم طبيعي متجوهر واقع في الحركة والتغير خارج موضوع علاقة المادة بالصورة[36]. أما الصورة في ما بعد الطبيعة فيكون من جهة أنها جوهر أي الصورة الأولى لجميع الموجودات وينتج عن هذا أن الفحص الميتافيزيقي للصورة هو فحص شمولي. لعل من البيّن أن الصورة هي التي تحمل على الأشياء وهي التي تعبر عن ماهية الشيء الجوهرية[37]. ومن ذلك، تكون ماهية الشيء هي صورته[38]. وهذا هو الباعث فبدفاع ابن رشد على جوهرية الصورة على أساس أنها هو الشيء الثابت وهذا يمكن بيانه عن طريق الوحدة والمتصل والفعل والكمال. وهنا لا بد من الانتباه أنّ أبا الوليد ابن رشد يروم إلى الاشتغال على اسم شخص الجوهر وليس الجوهر الكلي كما ورد عند أفلاطون[39].

من المؤكد أنّ الصورة هي التي تحدد الشيء وجوهره، فالهيولى لا يمكنها أن يحدد ذلك لأنها غير مشار إليها ولا تؤلف وجوداً عينياً[40] لذلك  كانتْ علاقة الصورة بالهيولى إنما تمر عن طريق الانفصال والاتصال وهي موضوعات المهمة في دراسة الجسم الطبيعي[41].

هكذا، كان نقد ابن رشد للتأويل تصور الإسكندر الأفروديسي يندرج في هذا المعرض أعني «أنّ الذي قاد الإسكندر إلى بناء هذه التصورات عن قول أرسطو[…] هو طبيعية الهيولى ذاتها من حيث صفاتها مثل التماس والاختلاط والنظام»[42] فضلا عن ذلك أن هذه العلاقة، (الصورة الهيولى) تتم من خلال مفهومي الوحدة (الصورة) والكثرة (المادة) فهما القادران على تكوين لدينا تصور عقلاني[43] مخالف للتصور الأفلاطوني الذي يرفع من شأن الصور المفارقة أو الكليات ولم يكن للموجودات المحسوسة، أي فاعل بنيوي لها. ويتحقق من هذا، أنّ فيلسوف قرطبة يرفض المذاهب التي تقول بكلّ شيء في كلّ شيء أو الفاعل المخترع المبدع أو واهب الصور وهو لصالح أطروحة تلحُ على أن الفاعل لا يفارق الصورة والهيولى، وهو أيضاً الذي يخرج من القوة إلى الفعل إما أن يكون على سيبل الاختيار أو على سبيل الطبع.[44]. يقول المؤلف في هذا السياق: «وفي هذا السياق يقدم ابن رشد دليلاً أن الفاعل لو اخترع الصورة لكان اختراعه لها لشيء من لاشيء، لأنّ الصورة ليس لها كون ولا فساد إلاّ بالعرض[…] بل المخرج أو المحرك للموضوع حتى يقبل الصورة أي أن الفاعل هو المخرج لها من القوة إلى الفعل»[45].

كما تطرق هذا الفصل الثالث إلى مسألة في غاية الأهمية وهي لواحق الصورة من الحركة والفعل. فخروج الموجود من القوة إلى الفعل يكون عن طريق الحركة. بمعنى أنّ الحركة تعدّ بمثابة فعل ناقص يتم كماله بالصورة[46]. ومن المعلوم أنّ الصورة والكمال من مرادفات الفعل؛ ذلك الفعل الذي لا يذكر إلا بوجود إلى القوة. يقول د. العبيدي: «وبهذا يؤكد ابن رشد أن الفعل والقوة إنما يستمدان وجودهما من الحركة في الوقت ذاته الذي يمكنان فيه من تحديدها»[47]. بيد أن الغريب أن يكون الفعل بمعنى الكمال والصورة هو متقدم من القوة من مناحي مختلفة: التقدم بالمعرفة وبالسببية وبالزمان[48]. وتتبدد تلك الغرابة حينما تعلم أن العلم لا يكون إلا موجوداً وأن الوجود أشرف من العدم، وأن صورة الرجل أسبق من صورة الصبي في الكون. ويتحقق من هذا كلّه، أنّ الفعل هو التمام للشيء ومن أجله وجدتْ القوة.

رابعاً- مفهوم العدم: في اللواحق والأحكام

الحقُ، أنّ مفهوم العدم من المفاهيم الفلسفية التي بلورت تصور ابن رشد للطبيعة والوجود والعالم. فهو يعتبر من المبادئ، لكن مبدأه بالعرض لا بالذات مثلما هو الحال مع الهيولى والصورة. وبهذا الاعتبار، لا يخفى علينا أيضاً أنّ العدم يحضر في نظرية المتقابلات[49] (العدم والملكة، الإيجاب والسلب و الضدية والإضافة) مثلما يحضرُ في العلم الطبيعي كمبدأ من مبادئ  الموجودات الطبيعية كما يعني العد اللامحسوس الذي يفتقر وجوده إلى الوجود بالفعل[50]، ويدلُ كذلك على الهيولى التي هي خالية من أي صورة أو وجود إلا من القوة والاستعداد[51]. وأما اسم العدم في علم ما بعد الطبيعة فيشيرُ إلى كونه من الضديات للوجود والكون ومن ثمة، يكون على الميتافيزيقيا النظر في العدم والوجود والواحد والكثير واللامحسوس والسلب. فهذه هي المجالات المنطقية والطبيعية والميتافيزيقية التي يحضر فيها العدم.

من المفيد القول إنّ العدم[52] قد يدل على اللاقوة وهو عكس أن يكون في الشيء أو الجسم قوة. يقول المؤّلف: « اللاقوة عند ابن رشد هي العدم، وهي السلب بالعرض للشيء، وهو ما أمدها مراراً، إذ يرى ابن رشد أنّ العدم هو سلب صفة الوجود عن الشيء بالقوة وهو عارض فيها وليس بذاتي»[53]. فلمكان التضاد هو الذي يتعاقب على الهيولى من الصور فإنّ هذا التغير والصيرورة يسبقها العدم ومن ثمة، يكون الممكن أيضا دالاً على المعدوم الذي يتهيأ أن يوجد وأن لا يوجد وبهذا لا ينكر الفلاسفة «وقوع العدم أصلاً، بل ينكرون أولاً وبالذات عن الفاعل، لأنّ الفاعل لا يتعلق فعله بالعدم ضرورة أولاً وبالذات وإنما وقوع العدم عندهم تابع لفعل الفاعل في الوجود»[54]؛ ونفهم من هذا أنّ العدم لا يكون مطلقاً بل «إنه نسبي والدليل على ذلك أنه لو كان العدم مطلقاً لكانت عملية الانتقال لا تتم بهذه الكيفية لأن أصل فكرة العدم إنما هي قائمة على عدّ المادة والصورة ليس لها تكون إطلاقاً وإنما هذا التكون نشير إليه بالقوة لا بالفعل»[55] وهذا ما قصده أيضاً د. العبيدي حين أقر أنّ المتكون عند ابن رشد لا يتكون من العدم الذي هو موجود بالعرض، بل يتكون مما هو موجود بالذات. ولكن وجوده بالقوة (= الهيولى)[56].

وعلى الجملة، نقول لقد خلص الباحث العراقي المقتدر حسن مجيد العبيدي في هذا العمل الفلسفي الفريد إلى أنّ “فلسفة الجسم عند ابن رشد” قد رسمتْ لنفسها طريقان:

الطريق النقدي الذي يتمثلُ في نقده للآراء التي أذاعها كلّ من لاسكندر الأفروديسي وابن سينا. والطريق الثاني هو طريق بنائي يستند إلى بناء المفهوم ولواحقه (الجسم، المادة، الصورة ،العدم) على أساس منهجية تكاملية تستظهر تشابك العلم الطبيعي مع علم مابعد الطبيعة.كلّ ذلك بالعودة إلى مظان النصوص الرشدية ومصادرها الطبيعية والمنطقية والإلهية (الميتافيزيقية)، إذ بتلك العودة نكتشفُ أن فيلسوف قرطبة كان لا يتحدث إلاّ بلغة فلسفية واحدة ذات مناحي وأساليب متنوعة ومختلفة.

ولذلك لم يكن أولئك الذين يبحثون عن أصالة القول الرشدي في المؤلفات الموضوعة (الفصل، الكشف، تهافت التهافت) على صواب وفي صف الحقيقة. فالأمر هو قراءة المتن الرشدي في كليته أو لنقلْ بلغة فقيد الرشديات المغربي جمال الدين العلوي قراءته عبر الوحدة والتطور. وبعد كلّ هذا، لا يسعنا إلاّ أن نتساءل مع الأستاذ الباحث المقتدر حسن مجيد العبيدي ألم يكن نقد الغزالي لطبيعيات ابن سينا وميتافيزيقاه هو الذي أرشد ابن رشد الحفيد إلى تجديد العلاقة بين العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة؟ هل معنى هذا أن القول بمرحلة غزالية في فكر ابن رشد هو قول له مستنداته النظرية والفلسفية؟

—————-

1– يحتوي المؤَّلف فضلا عن مقدمة وخاتمة أربعة فصول،وكل فصل يوزع على مباحث.
2– حسن مجيد العبيدي، فلسفة الجسم عند ابن رشد، بيروت-الجزائر-الرباط، (الطبعة الأولى)، ( 2018)، (ص. 10) .
3– المرجع ذاته، (ص. 10 إلى13).
4– المرجع ذاته، (ص. 13).
[5]– المرجع السابق، (ص. 14).
[6]– المرجع ذاته، (ص. 14).
[7]– المرجع ذاته، (ص. 14).  مرجع سابق، (ص.15- 16).
9– حسن مجيد العبيدي، فلسفة الجسم عند ابن رشد، بيروت-الجزائر-الرباط، (الطبعة الأولى)، ( 2018)، (ص. 25).
10– المرجع ذاته، (ص. 26)، (ص. 27).
11– المرجع ذاته، (ص. 29).
12– المرجع ذاته، (ص. 32 ).
13– المرجع ذاته، (ص. 37).
14– مرجع سابق، (ص. 37).
15– المرجع ذاته، (ص. 41 إلى 49 ).
16– المرجع ذاته، (ص. 46).
17– مرجع سابق، (ص. 49-50-51-52).
18– مرجع سابق، (ص. 62).
19– المرجع ذاته، (ص. 68).
20– المرجع ذاته، (ص. 70).
21– المرجع ذاته، (ص. 70).
22– المرجع ذاته، (ص. 71).
23– المرجع ذاته، (ص. 73).
24– المرجع ذاته، (ص. 75).
25– المرجع ذاته، (ص. 79).
23– المرجع ذاته، (ص. 88- 89).
24– المرجع ذاته، (ص. 94).
[27]– مرجع سابق، (ص. 135).
[28]– مرجع سابق، (ص. 100-101-102-103-104).  (ص111).
[29]– المرجع ذاته، (ص. 105).
[30]– المرجع ذاته، (ص108-109-110).
[31]– مرجع سابق، (ص. 116).
[32]– مرجع سابق، (ص. 120). (ص. 129-130).
[33]– مرجع سابق، (ص. 124-125-126- 127).
[34]– المرجع ذاته، (ص132-133-134).
[35]– مرجع سابق، (ص135).
[36]– المرجع ذاته، (ص143).
[37]– المرجع ذاته،ص147.
[38]– مرجع سابق، (ص148- 149).
[39]– مرجع سابق، (ص. 155-156-157-158-159).
[40]– المرجع ذاته، (ص.167).
[41]– المرجع ذاته، (ص.167).
[42]– المرجع ذاته، (ص.170).
[43]– المرجع ذاته، (ص.171 إلى 177).
[44]– مرجع سابق، (ص.181 -182).
[45]– المرجع ذاته، (ص.183-184.
[46]– المرجع ذاته، (ص.188).
[47]– المرجع ذاته، (ص.191).
– المرجع ذاته، (ص.193).[48]
– المرجع ذاته، (ص. 202 -203 –  204).[49]
[50]– المرجع ذاته، (ص.204 ). (ص.208).
[51]– المرجع ذاته، (ص.205).
[52]– مرجع سابق، (ص209- 210).
[53]– المرجع ذاته، (ص.211).
[54]– المرجع ذاته، (ص.214).
[55]– المرجع ذاته، (ص.215).
[56]– مرجع سابق، (ص. 216 إلى 218 ).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.