منامة قطوفها دانية

ساحة جامع الفناء الكائن الملحمي العصي عن الاندثار

يا ضاحكا في صورة الباكي    *    أنت بنا المشكو والشاكي

                                                                         محيي الدين ابن العربي

يرى بعض الباحثين الاجتماعيين في البحر المتوسط بأن الحداثة غالبا ما تتجلى كداء عضال على المدينة العتيقة فيظهر الأثر فاشيا، يورث النسيج الحضري أمراضا حتى وكأن المدن العتيقة المتوسطية لا ترقى إلا لنظرة حنينية إلى ما فات. وكأنها عاجزة عن ابتكار حاضرها.

وكأن قسمة العالم كرست مناطق للعمل، وأخرى للاستجمام كمدن المتوسطي. وينبغي على سبيل المثال أن يعلن عن كون هذا التراث قضية وطنية؛ لأن وجه السياحة الثقافية المغربية وصورتها في مراكش، ومركز دائرة المدينة، هي ساحة جامع الفناء، هذا الكائن الملحمي العصي عن الاندثار.

لنفترض مفاكهة أنه قد جرى بالذي نختاره القدر! وقد نرى في مُبَشِّرَةٍ يراها النائم في خِلْسَات الكَرى، أنَّ زمن جامع الفناء قد استدار حقّاً، وأَقْبلت القرون في نظامها البديع، وساعدتنا الأيام وأعملنا النظر مليّاً في مُتُونِها، وتأكدت العزمة والحزمة، واستحضر كل التراكم القِيمي الذي قدمه المثقفون لمدينتهم منذ أزيد من عشرين عاماً، واستثمرت قفزة الأكياس التي سنح بها إعلانُ اليونسكو، ونلنا منها ما نرجو وننتظر.

هذا وقد ظفرت المدينة بقُوى خفية متوارية، أسرت الرحبة العجيبة، وقست عليها وحجزت عنها أنفاسها، فَتَصحَّرت معانيها، حتى صار بها التراثُ الشفويُّ غيرُ المادي كهلال الشك في ضحالته …، فلنسمه زمنَ الإصلاح الشامل والانطلاقة المجددة.

إنَّ المدينة تتوفر حاضراً على وعي قوي بشأن ‘الساحة’، باعتبارها عالماً للخيال، وبقعة للألفة، ومختصراً لعالم الثقافة المغربية، وفضاء لاكتساب المعنى في الحياة اليومية.

وما يؤكد ذلك، كونها ما تزال محطَّ اهتمام للعلماء والأدباء المعاصرين والقدامى، والكتاب والمسرحيين ورجال المخزن القديم، والمؤسسات الحديثة.

واليوم أضحت كائناً حضريّاً ينقسم إلى ثلاثة أثلاث: الأول خاص بالتجارة المكتسحة، والثاني مرتبط بالإطعام المهيمن شيئاً فشيئا على مجال أوسع بكثير عمَّا كان عليه الحيّز المخصص للإطعام في الرحبة لمدة قرون. والثالث فنُّ الحلقة؛ وهو المستضعف حاليّاً. فبقدر ما اغتنت المدينةُ بقطاعاتها السياحية منذ عقدين، وصُرفت نحوها ثرواتٌ كبيرة، بقدر ما استنزفت معاني الساحة، واضمحل إشعاعُها الفني، وتلاشى جوُّها الروحي. اندرس الحيز الأكبرُ من ميراثها الملحمي، وانبرى حلايقيوها إلى الوراء، وتصدَّع جمعُهم، ومحق ذكر الغزواتي، وغاب صاحبُ السِّير والقصايدي، ورحل مروضُ الحمام وطائفته، وهُجر الفكاهيُّ الظريف والسبَّاب الجريئ، والعيَّاب، وفُقد البهلواني، وضاقت الرحبةُ بمفسر الأحلام وحجب صوتُ القصاص والواعظ …، اختفى كلُّ هؤلاء.

لم تعد جامع الفناء إلَّا هذا المنتدى التجاري؛ من بائع وشاري، وركاماً هائلاً من تافه السلع. ولربَّما تصدرت في الدنيا قائمة ميادين الطهو والإطعام، وتوفير العصائر، بضخامة ما يُستجلب إليها من لحوم وخضر وزيوت وفواكه، وقنّينات غاز كل يوم … ،إلى أنْ أتت الجائحةُ بسلطانها القاضي، وحدث الفجائي وأُسدل الستار.

انحل ذلك المجتمعُ الهائل المرأى والمسمع، وأفرغت الرَّحبة، ولم يبق بها بائعٌ ولا طاه ولا جمع ولا هزج. إلَّا أنَّ الطامة قد تباغتنا من بين طياتها بإصلاح غير مسبوق، وإعمال نظر غير مطروق. فهذه النقمة قد يترتب عنها نعمٌ وفوائد جمةٌ؛ إنْ نحن أخلصنا النيةَ واتسمنا بالإقدام. وليكن إيغالُنا في حلمنا هذا بتؤدة، نحدث خرقاً للعادة، يكون ميمون ابتداء ورماً لم يتصوره الوهم من ذي قبل.

فقبلها بقليل، كنا نتداول شؤون الساحة، ونحسب أنَّ إصلاحها لن يكون يسيراً لتمكن تلك القوى الخفية من مآلات الساحة ومغالاتها التجارية من وراء حجاب.

نتهامس بيننا، هل يمكن مثلاً لواحد من أرباب المطاعم المصطفَّة المرقمة أن يتنازل عن حظه يوما ًفي الأسبوع؛ لتوسيع مجال العمل غير المادي، ويكون في صالح أفراد حنطته الآخرين، ويكون اليوم التالي له وبتنحَّى بعضهم بالتناوب. ولم لا يصطف جزءٌ منهم على مقربة من الساحة لنفسح حيزاً أوسعَ لمن استضعف من الحلايقية وغاب سهمُه ونعود بالساحة إلى هيئتها الأولى ؟

نحيي إحياءً تلكم الحلقاتِ العاليات الدارسات التي طغى عليها جمودُ الحداثة البليدة، وأعدمها إلى حين، وندعو الجامعيين، فيظهروا مسرحَ الحكواتي ومباهجَه من جديد، ويكوّنوا طلبتَهم في مسالك المهن الثقافية؛ ليتولوا فنون القول في ميدان الرحبة. ونقبل على الأدب المغربي والعربي والأمازيغي؛ قديمِه وحديثِه، نصرفه في شرايين الساحة. نعمل جادين على إنجاز الترجمة إلى ثلاث لغات على الأقل، لما يدور في حلقات القصايدية والملحميين وأصحال السير. أما ديوان ألف ليلة وليلة فنمكّن منه الزائر، يفتحه ويستمع إليه في كل وقت، ليلاً ونهاراً ويستمتع: من فوق كرسيها تروى الليالي باستمرار. ويحسن بنا أن نجدّد رسم دارة الملحون، ونحن على مرمى حجر من مرقد شيخ لشياخ الجيلالي متِيرْد الكائن تحت ظلال المنار الكتبي.

لقد حان وقتُ تزويد الميدان بالتطبيقات الرقمية الكاشفة على ميراث الرحبة العجيبة واليتيمة الغريبة. بوسعنا تمكين الزائر من التاريخ الأدبي والفني والحضري لجامع الفناء، يستطيع أن يحمل آلاف الصفحات التي كرست لها، ويشاهد مئات الوثائقيات الراقدات تحت ركام الغبار. أجل، هذا ممكن وفي مقدورنا اليوم، وهو استرداد على الأصح لطبيعة الساحة بحسب صحفها الأولى وسيرتها الفضلى.

لقد عمل مثقفو المدينة ومسؤولها الإداريون منذ ما يزيد على عقدين من الزمن على تقنين المعمار حول الساحة، وكبح جماح التطاول في البناء وعلى الساحة، لكن اليوم نسمع ونرى من لا يستحي من المتاجرين، قهوجيين أغراباً كانوا، أم تجاراً من أبناء البلد – وهو الأدهى – إمَّا أنهم أفسدوا على الواجهات رونقها البسيط المعتاد المصنف، وإمَّا أنهم حفروا في عمق أرضية متاجرهم بما لا يسمح به القانون ولا حرمة الانتماء لمراكش. فلو حصل ما لا يطاق، أضحى سابقة وستصير جنبات الساحة كلها عرضة للمغامرين ممسوخة وعبارة على مراكز تسوق عصرانية تشوه وجه الساحة، وأما الإطعام الطافح بالموائد والأطباق، فما كان إلا من نسج الخيال كما أخبرنا عن نفسه الحسنُ اليوسي لما وقف في الرحبة على “الرجل المسن وهو مشتغل بحكاية الأمور المضحكة للناس …، قال: اجتمع الفاسي والمراكشي والعربي والبربري والضراوي فقالوا …: تعالوا فليذكر كلٌّ منا ما يشتهي من الطعام !”

وأما اليوم، إنْ كان الإطعام مصيراً محتوما تُجَابه به جامع الفناء، فليكن طبيخا عضويا، ويختار خوان مراكش وفاس، وخوان جبل ومجالس الشاي الصحراوية …، ووصفات مختارات من كتاب ابن رزين، أو غرائب الطهي المغربي مستقاة من ديوان أنواع الأدوية في ألوان الأطعمة للكاتب المجهول .. وهل طباخ جامع الفنا وعجانها خطر ببالهم يوما كتاب كهذا، حفظ لنا 500 وصفة منها التفايا أو تاحصحصت المعروفة بمراكش قديما ولمتونية، وأين هي الإسفريا المحفوظة الذكر في الكتاب والبلاجة، تأخذ من اللحم الغنمي الفتي دون عضم ولا عصب، والكسكس والفتياتي ومجبنة المحتسب، والصابونية التي تصنع بماء الورد بمراكش، وسنوسك الملوك المفضلة عند الخليفة يعقوب المنصور. بل من سيتحف الزائر بمعاصم الأولاد، أمَّا البرتقال المعصور بالصفوف، فلا أرى لهم نسبةً للشيخ الأديب محمد بن إبراهيم الأندلسي المراكشي؛ صاحب الأرجوزة في فوائد الفواكه ومنافعها، فحبذا لو صارت أرجوزة هذا الفرد الذواقة شارة ومرجعا لهذه الحنطة.

ونرى كذلك في منامتنا العجيبة مخايل إصلاح كهذا نبتهج به، وقد قضى على الضجيج المعهود، ونزع كل لافتات الإشهار المقيدة غير المتناسبة الملوثة لجمالية الأرجاء. أتانا بما نبتغيه من نظافة لا تشوبها شائبةٌ، ولا تفسدها روائحُ كريهة من أبوال الخيل والآدمي. هل سنقدم على تحويل الجائحة إلى نصر مُؤَزَّر يحول بين “الحرم الفنائي” ومن سعى سعيه في تشيينه وملئه بكل ما هو تافه. هناك لجنة ولائية للبث والمصادقة على المشاريع الكبرى للمدينة، ويوجد مخطط للتدبير الحضري قيد الإنجاز، وهذا يعكس الاهتمام الكبير بالتراث المادي والمعنوي. فلا بد للتراتيب الإدارية المتوفرة حاليا أن تجد الأجوبة اللائقة بالساحة.

فهاهي فرصتنا سانحة ماثلة أمام أعْيُننا، فلنمد أيدينا ونقطفها دانية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاستشارة الدولية شهر يونيو 1997 التي نظمتها اليونسكو حول التراث الشفوي للإنسانية. البرنامج الذي عرضه الحلايقية الرواة بساحة جامع الفناء يوم الجمعة 27 يونيو. تحت إشراف جعفر الكنسوسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.