منزلة المختصرات في أعمال ابن رشد

قراءة في كتاب المرحوم محمد مساعد، "المستدرك على المتن الرشدي"

مقدمة:

سهرت المدرسة العليا للأساتذة بمكناس، في شخص مديرها السابق الأستاذ محمد ياسين على نشر كتاب بعنوان “المستدرك على المتن الرشدي”[1]، وهو كتاب للمرحوم محمد مساعد غافلته المنية قبل أن يُنهيه على النحو الذي يرضيه. كتب الأستاذ ياسين في التقديم الذي خص به هذه النشرة ما يلي: «إنني معتز بالمراجعة التي قام بها الأستاذ محمد منادي إدريسي عرفانا منه ووفاء للأستاذ الدكتور محمد مساعد رحمه الله»[2].

إن ذكر اسمي مقرونا بمهمة معينة تتمثل في “مراجعة” عمل نُشر بعد وفاة صاحبه، يوجب علي أوضح للقراء والباحثين طبيعة الإسهام الذي قدمته لإخراج كتاب المرحوم على الصورة التي هو عليها الآن.

لم أتردد لحظة واحدة في مد يد العون عندما أخبرني الأستاذ ياسين أن أسرة المرحوم قد أمدته بمخطوطة “المستدرك” مرقونة، وطلب مني أن أساعده في سد ثغرة واحدة تتمثل في تهميز أحرف الألف التي كانت على طول المخطوطة بلا همز. شرعت في العمل، فتبين لي سريعا أن المخطوطة تحتاج إلى ما هو أكثر من هذه المهمة البسيطة. فالمخطوطة المرقونة، كما توصلت بها، كانت تتضمن العديد من البياضات؛ ولم تكن موحدة من الناحية الشكلية فيما يخص الفواصل الفارقة بين الأسطر، والمسافة الفاصلة بين يمين الورقة وشمالها؛ كما أنها تضمنت العديد من الأخطاء الإملائية الراجعة في معظمها إلى الرقن أو السهو، أو غير ذلك مما نعلم أن يد المنون لو لم تتخطف صاحبنا قبل الأوان لما كان لها أي موطئ قدم في عمله. ثم إن المرحوم لا يذكر من عناوين أغلب المؤلفات التي يحيل عليها إلا الكلمة الأولى، وإذ يفعل ذلك لا يميز هذه الكلمة بأي شيء يشعر القارئ بأن الكلمة تستعمل هاهنا عنوانا لكتاب. وهكذا تراه مثلا يقول: “وابن رشد يقول في البداية” أو “يؤكد في الفصل”، والمقصود هو أنه يقول في “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، ويؤكد في “فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال”. غير أن هوامش العمل كانت أكثر من غيرها بحاجة إلى تصحيح ومراجعة. ذلك أن المرحوم كان يذكر في كثير من الأحيان كتابا من كتب ابن رشد مثلا، ويُتبعه بذكر الصفحة مباشرة، من دون أن يذكر المعطيات البيبليوغرافية للنشرة التي يعتمد عليها (“مختصر المستصفى”، “الضروري في النحو”، “تهافت التهافت”). وكثيرا ما وجدنا أنه، وبعد أن يكون مثلا قد ذكر مرجعا آخر لغير ابن رشد، يضع هامشا جديدا يذكر فيه ابن رشد، ولا يحدد ما هو الكتاب الذي يحيل عليه، بل يكتفي بأن يسجل مثلا: م م س، أي مرجع مذكور سابقا. هذا ما اقتضى تدخلا في العمل من أجل إخراجه في حلة من شأن المرحوم أن يرضى عنها. لقد فعلنا ما في وسعنا لكي يتمكن محترفو الدراسات الرشدية أو هواتها من الاستفادة من هذا العمل. وهذا بعض مما قمنا به:

فيما يخص المتن، قمنا بـ:

  • تهميز حروف الألف.
  • تصحيح بعض الهنات اللغوية،
  • تصحيح الأخطاء الإملائية الناتجة عن الرقن؛
  • إضافة الكثير من الفواصل والنقط؛
  • تصحيح بعض الجمل، إلا ما كان من أمر مواضع ثلاثة أشكل أمرهما علي: أولها وارد في الصفحة 34، السطر 5، والثاني في الصفحة 127، السطر ما قبل الأخير، والثالث في الصفحة 201، السطر 4.
  • التشديد على عناوين المؤلفات (en gras) مع جعلها مائلة (italique)
  • التشديد على بعض المواضع التي رأينا فيها تعبيرا قويا عن أطروحات المرحوم.

فيما يخص الهوامش:

  • وضعنا ترميزا موحدا على النحو الآتي:
  • م ن: المرجع نفسه؛
  • م س: مرجع سابق؛
  • ص ن: الصفحة نفسها؛
  • ص: صفحة؛
  • ص ص: صفحتان أو أكثر.
  • تقديم المعطيات البيبليوغرافية لبعض المراجع التي أحال عليها المرحوم.
  • تصحيح بعض أرقام الصفحات من الإحالات.

وضع لائحة للمصادر والمراجع

وضع فهرس.

يتألف كتاب المرحوم من ثلاثة فصول مسبوقة بمدخل ومنتهية بخاتمة. يحاور المرحوم على طول صفحات الفصلين الأول والثاني دُرّة أستاذه جمال الدين العلوي “المتن الرشدي” التي يعتبرها «ما تزال تحتفظ، إلى اليوم، بكامل الوهج والتألق اللذين حظيت بهما في أوساط الدارسين المتفرغين لقراءة المتن الرشدي»[3]. وهو يؤكد أنه لم يتجرأ على الاستدراك على الأستاذ إلا لظهور معطيات جديدة تتمثل أساسا في ظهور مؤلفات رشدية كانت مفقودة، أو في استعادة بعض منها من لغات أخرى إلى لغة الضاد. على أن استدراكه لما فات أستاذه لا يتعلق إلا بجانب من المتن الرشدي، وهو المتعلق بالمختصرات. وبعبارة أخرى، إنه يستثمر المعطيات الجديدة لإعادة النظر في منزلة المختصرات في المتن الرشدي. فما أهمية استدراك المرحوم على أستاذه؟

كان الأستاذ جمال الدين العلوي قد صنف الكتابات الرشدية إلى أصناف، لكل منها خصوصية أسلوبية وبرنامجية، ووقت معلوم أنجزت فيه؛ الأمر الذي له دلالة خاصة في تحديد منزلتها في المتن الرشدي، وفي تحديد مدى تمثيلها للرشدية الحق أو الناضجة. وهذه الأصناف هي: المختصرات، ثم الجوامع والتلاخيص، فالمؤلفات الموضوعة، وأخيرا المقالات والشروح الكبرى أو التفاسير. لا أريد أن أقف من هذا التصنيف إلا على الفروق التي أقامها الأستاذ جمال الدين العلوي بين صنفين من الشروح هما المختصرات والجوامع، وأيضا المؤلفات الموضوعة.

المختصرات: وهي، حسب العلوي، أول الشروح، بل وأول أعمال ابن رشد قاطبة. إنها سابقة على ميلاد المشروع الرشدي في صورته الأولى، ولا تنم عن الوعي به أو لا تحمل بذورا له في الظاهر على الأقل. «إنها شروح صغرى لا تحكمها نظرة فلسفية واحدة ومتكاملة، ولا تربطها بنية فكرية واحدة، ولا تجمعها إحالة مرجعية واحدة سوى أنها تروم إنقاذ ما هو ضروري من المعرفة العلمية لحصول الكمال الإنساني، أي الحد الأدنى الضروري من المعرفة اللازمة لكي يحقق الإنسان كماله الأول، وليس الكمال الأخير الذي يؤكد ابن رشد أنه مطمح عسير التحقيق في زمنه «[4]. لا ريب في أن أرسطو يحضر في المختصرات، ولكن حضوره لا يختلف، حسب العلوي دائما، عن حضور الغزالي أو بطليموس أو الفارابي، على اعتبار أنه واحد ممن ينبغي أن يُعوّل عليهم في إنقاذ الضروري من المعرفة العلمية لحصول الكمال الإنساني. «إنه واحد بين آخرين يمثلون خلاصة الفكر العلمي الذي يجب إنقاذه لتحصيل أولى مراتب الكمال الإنساني»[5].

الجوامع: وهي أيضا، حسب العلوي، شروح صغرى، إلا أنها مختلفة عن المختصرات من جهة أنها تنم عن انخراط أبي الوليد في مشروع جديد مختلف تماما عن برنامج المختصرات وغايته. ففي الصياغة الثانية لديباجة الجوامع الطبيعية توجد العلامات الدالة على انقلاب وشيك في مسيرة ابن رشد، أو علامات تحوُّلٍ من إنقاذ ما هو ضروري لحصول الكمال الإنساني، إلى إنقاذ الفلسفة الحق، فلسفة المعلم الأول. لقد أعلن أبو الوليد في هذه الصياغة عن اختياره لمذهب أرسطو والانتصار له باعتباره «أثبت المذاهب الفلسفية حجة وأشدها إقناعا»، وأكد أن مسعاه الجديد يتمثل في إخراج طبيعيات أرسطو مجردة مما تحمله من أقاويل جدلية، ومما هو مبثوث في ثناياها من أقول وآراء الفلاسفة الذين جادلهم النص الأرسطي. يصف العلوي هذا التطور الحاصل في مسيرة ابن رشد بأنه طفرة نوعية تتمثل في اعتبار أرسطو أرقى النماذج الفلسفية. مع الجوامع إذن اختفى شعار مشروع المختصرات، أي مشروع إنقاذ الضروري في المعرفة العلمية، ليحل محله شعار جديد يتمثل في استخلاص الأقاويل البرهانية من مذهب أرسطو باعتبارها أكثر أصناف الأقاويل يقينا. كما يختفي أيضا مفهوم الكمال المرتبط بمفهوم الضروري، ليحل محله الاكتفاء بالبرهاني من مذهب أرسطو باعتباره أوثق الأقاويل. ولذلك قدمت الجوامع عرضا مختصرا لطبيعيات أرسطو أولا، ولفلسفته الأولى ثانيا، عرضا يقتصر على إيراد ما فيهما من أقاويل برهانية. إنها محاولة أولى لتطهير المبحثين من كل ما ليس برهانا. والقول بوجوب تلمس الرشدية الخالصة في هذه الشروح الصغرى، هو حسب العلوي، قول لا معنى له. إن الجوامع، في صياغتها الأولى على الخصوص، لا تقدم ما يمكن أن ندعوه الرشدية الناضجة، وإنما هي محاولة أولى لفهم معاني النص الأرسطي عبر وسائط متعددة[6].

المؤلفات الموضوعة: وهي ليست شروحا لنصوص بعينها، ولا استلهاما مباشرا لتقليد بعينه. والعلوي يرتبها بحسب تتابعها الكرونولوجي كما يلي: “الكليات في الطب”، “بداية المجتهد وكفاية المقتصد”، “فصل المقال”، “الكشف عن مناهج الأدلة”، “تهافت التهافت”.

ميز العلوي إذن بين الجوامع والمختصرات حينما اعتبر الجوامع، 1: لاحقة على المختصرات زمنيا، و2: لا تمثل الرشدية الحق أو الناضجة، وإنما هي من كتابات الشباب إن صح القول، و3: تمثل قطيعة مع المختصرات، على اعتبار أن مشروع المختصرات هو إنقاذ الضروري من المعرفة للكمال الإنساني (أي ما به يحقق الإنسان أولى مراتب الإنسان بما هو إنسان) دون التماس الأفضل، بينما مشروع الجوامع هو تجريد الأقاويل العلمية البرهانية من كلام أرسطو وإقصاء الأقاويل الجدلية (تجريد الأقاويل البرهانية من الجدلية). كما أن النص الرشدي كلما ارتبط بأرسطو كان من الجوامع، وكلما ارتبط بالمفسرين كان من جنس المختصرات. وبناء على هذا التمييز لا تحظى المختصرات بقيمة كبرى في المتن الرشدي، أو على الأقل لا تعبر بتاتا عن الرشدية الناضجة.

ثمة مصنفات لابن رشد لا أحد يجادل في كونها من جنس الكتابة المختصراتية. ولذلك، يرى المرحوم مساعد أنه لا بد من فحصها بغرض «استخراج الأسس المركزية التي تجعلها تستحق التصنيف ضمن الخزانة المختصراتية الرشدية«[7]. وهذه الكتب التي أخضعها للفحص بغرض استقراء سمات برنامج الاختصار:

  1. مختصر المستصفى؛
  2. مختصر المنطق؛
  3. مختصر العلم الطبيعي؛
  4. المختصر في النفس؛
  5. المختصر في النحو؛

وعملية الاستقراء التي قام بها المرحوم قادته إلى نتيجتين أساسيتين:

  • تتعلق النتيجة الأولى بتحديد السمات المميزة لجنس الكتابة المختصراتية، وهي:

التذكرة-الإيجاز الإجمال- الاقتصاد- الكفاية- الشكوى من الزمان والكرب وقصر العمر، وهي أمور تقتضي طلب الضروري لا الأفضل- طلب الأمر الصناعي-التماس الضروري دون الأفضل- تجريد الأقاويل البرهانية (أو المشهورة إن كانت البرهانية متعذرة)- العناية بالكليات دون الجزئيات-التمام- التتميم والتكميل- استحضار المفسرين والقدماء…

وبناء على ذلك يرى المرحوم أنه «حيثما وردت هذه العبارات والمقولات في المتن الرشدي، صح الحديث عن أننا بإزاء نص ينتمي إلى جنس الكتابة المختصراتية لدى أبي الوليد»[8].

إن سمات هذا الجنس من الشرح والتأليف تنطبق على ضريبن من المؤلفات الرشدية:

–   الضرب الأول: بعض شروحات أبي الوليد التي عرفت بين المفهرسين والدارسين باسم “الجوامع”. وهي:

  1. مختصر ما بعد الطبيعة الذي نشره عثمان أمين بعنوان خاطئ هو “تلخيص ما بعد الطبيعة”، ويعتبره العلوي هو “جوامع ما بعد الطبيعة”.
  2. مختصر سياسة أفلاطون الذي اضطرب الدارسون في تصنيفه: فالعلوي حار بين الجوامع والتلخيص والشرح، واعتبره روزنتال شرحا، ونشره العبيدي وفاطمة الذهبي بعنوان التلخيص. والحق أن سمات الكتابة المختصراتية صريحة فيه، من قبيل الاختصار والكفاية والإيجاز ومطالب الضروري والبرهاني والعلمي لا الأفضل، مع استبعاد الأقاويل الجدلية.

تفضي اجتهادات المرحوم في هذا المستوى إلى هدم التمييز الزمني والبرنامجي بين المختصرات والجوامع باعتبارها تمهيدا للتلاخيص. ذلك أن المختصرات لدى ابن رشد تجمع بين مطلبين: التقاط الأقاويل العلمية أو تجريدها، والنزوع إلى تحقيق الضروري من الكمال الإنساني؛ وتبعا لذلك لا داعي للفصل بينهما، لأن الأمر يتعلق بلحظة واحدة تتمظهر تارة في وجه، وتتجلى تارة في وجه آخر، وتنحو تارة ثالثة منحى الجمع بين الوجهين (حال مختصر ما بعد الطبيعة)، الأمر الذي يلزم عنه الجمع بين الجوامع والمختصرات تحت شعار واحد هو نمط الكتابة المختصراتية. وهكذا فإن المختصرات لا تتوجه إلى المبتدئين والعامة، وإلا كيف يكون ذلك وهي تروم الضروري الذي يستلزم إقصاء الأقاويل الجدلية والخطبية والشعرية، والاحتفاظ بالبرهانية والعلمية؛ بينما المبتدئ والعامي أبعد الناس عن البرهان؟ إن المختصر إذن «عمل المحترفين، كما أنه ليس مهمة الصغار، بل هو شغل الكبار بامتياز»[9].

إن الفحص الدقيق لبعض المختصرات بصريح عنوانها (“مختصر السماع الطبيعي”، و“مختصر الكون والفساد”) يبين أن طلب الأقاويل العلمية-البرهانية (الالتقاط أو التجريد الذي يمارس على المعاني في مقابل الشرح على اللفظ)، وحذف الأقاويل الجدلية، ومتابعة أرسطو أهداف منشودة للمختصر، وأن القصد الأول في المختصر هو أرسطو دون المفسرين، وأقاويل هؤلاء لا تُستدعى بكاملها ولا لذاتها، ولكن بحسب أمرين آخرين أولى وأهم، هما: من جهة أولى، الأشد مطابقة لما تبين في العلم الطبيعي، ومن جهة ثانية، الأليق بغرض أرسطو»[10]. على أن المختصرات لا تستطيع على الدوام أن تتطلع إلى البرهان إلا بمقتضى ما في طباع الموضوع أن يعطيه ويقبله، ومن ثمة قد تقتصر على طلب الأقاويل التي بحسب الأولى والأحرى»[11]. ثم إن أطروحة العلوي، حسب المرحوم مساعد، تصادم واقعة تعجز عن تفسيرها، وتتمثل في بقاء بعض آثار من مرحلة المختصرات في مرحلة الجوامع، وفي مراجعة ابن رشد لبعض مختصراته في فترة الشروح كما هو الحال في “مختصر كتاب النفس”، وفي “مختصر ما بعد الطبيعة”. كما أنه كتب بعض مختصراته الأخرى بين مرحلتي التلاخيص والشروح، كما هو الحال في “بداية المجتهد”[12].

بناء على هذه المعطيات يخلص المرحوم إلى أن نعت الجوامع الوارد أساسا في بعض الفهارس القديمة ما هو إلا «وصف خارجي أطلقه أصحاب تلك الفهارس على المجموعات الخطية التي انتهت إليهم، فعملوا على تصنيفها في الفهارس الواصلة إلينا لا غير»[13]. ويؤكد في مقطع آخر: «إن الكلام في الرشدية عن جوامع أو عن جوامع صغار إنما يدل في رأينا على أمرين: الأول أنه قد لا يشير إلا إلى أفاعيل المفهرسين والنساخ وجمّاعي الكتب والمخطوطات… أما الأمر الثاني هاهنا فهو فعل التجميع»[14]. ويشدد مرة ثالثة: ما الجوامع سوى «أمر تقني ساهم في الترويج له النساخ والجمّاعة أكثر من المفكرين أنفسهم، ومنهم ابن رشد، في حين أن المختصر يرقى، ولا سيما لدى ابن رشد، إلى مستوى كونه جنسا من أجناس الكتابة ولا يبقى مجرد مجموع عمليات تقنية»[15].

–   أما الضرب الثاني، فيتعلق بالمؤلفات الموضوعة أو التي كتبها ابن رشد ابتداء، وهي:

  1. فصل المقال أو مختصر التأويل

يقول المرحوم: «نحن نزعم أن الفصل واحد من مختصرات ابن رشد»؛ فهو يشكل إلى جانب الضميمة والكشف والتهافت ما يمكن اعتباره «المختصر في التأويل»[16]. وما يدعو إلى تأكيد الطابع المختصراتي لكتاب الفصل، حسب المرحوم، هو مطلب الضروري، إذ يعين ما هو ضروري للتأويل وما هو ضروري لتعلم الحكمة وما هو ضروري في الصلة بين الشريعة والحكمة.

  1. الكشف أو مختصر الكلام أو الضروري أو الكافي في أصول الشرع ومقاصده

يقول المرحوم: «نحن نذهب إلى إدراج هذا الكتاب… ضمن جنس الكتابة المختصراتية»[17]. هنا أيضا يتم الإلحاح على مطالب الضروري والكافي والبيّن بنفسه والفحص عن الأصول والكليات دون الفروع والجزئيات. الكتاب إذن مختصر، لا لكتاب من كتب الكلام، بل لمجال بكامله.

  1. التهافت أو مختصر مراتب التصديق (الضروري في السعادة وطلب الحق)

هذا الكتاب هو أيضا، حسب المرحوم دائما، مختصر آخر من مختصرات ابن رشد، إذ لا يُلتفت فيه إلا إلى ما هو ضروري وكاف (ما لا بد منه) من العلم للجمهور أو لسعادة الجمهور. إنه اختصار لمؤلفات عديدة غزالية ومشائية. فالطابع المختصراتي لهذا الكتاب لا يقوم على الوفاء لنصوص الغزالي، بل على ضرورة تتميمها وإكمالها بما هي في حاجة إليه.

  1. الكليات في الطب أو المختصر في الطب
  2. بداية المجتهد أو المختصر في الخلاف

تتمثل أهمية هذا الاجتهاد في أنه يساهم إلى حد بعيد في ردم الهوة بين ابن رشد الشارح وابن رشد المؤلف، وبالتالي التخلص من الزعم القائل بنسبة ابن رشد الحق إلى أحدهما دون الآخر. تبدو اجتهادات المرحوم في الفصل الأول مبررة وقوية، فقد قدم البينات القوية التي تدعو إلى إعادة إدراج الكثير من شروحات ابن رشد في خانة المختصرات. لكن ما يبدو غريبا، هو الدعوى التي يدافع عنها في الفصل الثاني، وبموجبها تصبح المؤلفات التي وضعها ابن رشد ابتداء (وهي مؤلفات الفاصل الغزالي بتسمية العلوي، ثم الكليات في الطب وبداية المجتهد) في عداد المختصرات، أو على الأقل تقام الجسور الميسرة للعبور من الوضع إلى الاختصار، ومن ثمة إلى الشروح بوجه عام، وللمرور من الشروح إلى المؤلفات الموضوعة[18]. والحال أن هذه التصانيف وضعت في الفترة التي انهمك فيها ابن رشد في إنجاز تلاخيصه، وأقبل على الشروح؛ بينما المختصرات تشكل بحسب العلوي باكورة شروح ابن رشد. والمرحوم نفسه يدرك أنه يقدم بذلك اقتراحا لا يخلو من غرابة[19].

  • أما النتيجة الثانية، فتتعلق بالاختصار كبرنامج أو مشروع:

يبين الفحص الدقيق للمختصرات، حسب المرحوم، أن الاختصار، عند ابن رشد، يتصف بمجموعة من الخصائص:

فهو من ناحية الكم ليس «مجرد عمل تقني أو مجموعة من الإجراءات التقنية تحيل على أفعال الاختصار والإيجاز والإجمال، بل هو يعمل على تجاوز هذه العملية التقنية من أجل غرض أعلى مفاده التتميم والتكميل»[20]. إنه «تنقيب عن الكلية والتمام والضرورة والصناعية». إن المختصر ليس «مجرد اجترار للنص الذي يتخذه ابن رشد مناسبة للاختصار، بل هو عمل إبداعي حر ما يلبث أن ينفك من الكتاب الذي ينطلق منه إلى رحابة العلم الذي ينتمي إليه هذا الكتاب/المنطلق نفسه»[21]. إنه «لا يبقى في حدود حذف التطويل، وبالتالي فهو عنوان ممارسة فكرية بكاملها، أو لنقل إنه واحد من المسالك الأساسية والكبرى لبناء الفكري وعرضه».

ومن ناحية الوقت الذي استغرقة برنامج الاختصار يخلص المرحوم إلى أن «المختصر لا ينتمي دائما إلى الفترة المبكرة من حياة ابن رشد الفكرية، ومن ثم إلى الرشدية الغضة أو غير الناضجة. فالمختصرات لم تستنفد مهمتها في مرحلة دون غيرها، بقدر ما ظل الرجل يعاود الرجوع إليها ساعة بعد ساعة. وهكذا فإن الاختصار نمط من الكتابة يخترق، أو يكاد، كل حياة ابن رشد الفكرية، بدليل خضوعه للمراجعات والإضافات، وتجليه في لوينات متعددة»[22].

ومن ناحية الموضوع، يبين الفحص الدقيق للمختصرات، حسب المرحوم دائما، أن المختصر لا يرتبط «بالضرورة بنص واحد… ذلك أن المختصر قد يكون اختصارا لنصوص متعددة أو لمجال معرفي لا لنصوص بعينها، كما أن النص المختصر إذا وجد لا يمنع أبا الوليد من العمل على نقده والاعتراض على صاحبه وجعله مجرد مناسبة للقول لا القول كله.»[23].

خلاصة

إن خير ما أختم به هذا العرض المتواضع لأطروحة الكتاب المركزية هو هذه المقتطفات التي تلخص دعواه الأساسية، وتفتح الشهية لقراءته:

إن مختصرات ابن رشد «تمتد على مسار حياة الرجل الفكرية بالرغم من كونها ارتبطت ببداية هذه الحياة، كما أنها امتدت لدى مجموعة من النظار إلى ما بعد ابن رشد، ثم إنها وحدها التي كان لها كبير الأثر في فكر هؤلاء النظار في البلاغة ونقد الشعر وفي المنطق والتعاليم والمعجم كما في الكلام وفي شيء من الفلسفة.»[24]

أول المسبقات، التي ينبغي الانفكاك عنها، وضع حدود فاصلة، حاسمة وقاطعة، بين المختصرات والشروح الرشدية عموما وبين التواليف الموضوعة في المتن الرشدي. فالجسور موصولة والفجوات مرتوقة، ولا مجال للاستمرار في رسم القطائع إلى ما لا يتناهى […] إذ وأنت تقرأ مختصرا أو شرحا تخال أنك إنما تطالع نصا موضوعا، وأيضا فبينما أنت تتصفح مؤلفا موضوعا يخيل لك كما لو لم تكن تقرأ إلا واحدا من النصوص الشارحة مختصرا كان أو غيره من الشروح والتلاخيص…”

ثاني القبليات أنه لا معنى للقول بأن المختصرات حجمها صغير، فالعبرة بالبرامج والعبارات الاصطلاحية والمسالك المنهجية لا بكم الأوراق وعددها وعرضها أو طولها. صحيح أن ابن رشد كان دائما يتحرى الإيجاز والاقتصار على الكافي والممكن، لكن ذلك بحسب علم علم، ولذلك فأنت تلفي مختصرا كبير الحجم، مثل المختصر في الطب، ومختصر العلم الطبيعي، في حين يفاجئك آخر بأنه متوسط الحجم من قبيل مختصر الكون والفساد.

ثالث الأحكام الجاهزة حصر زمن كتابة المختصرات في مرحلة تاريخية هي، في الغالب الأعم، بداية حياة ابن رشد الفكرية، حتى إن البعض أصبح يتكلم عن ابن رشد الشاب وابن رشد الناضج…

رابعا، عدم المطابقة بإطلاق بين برنامج الضرورة في جميع المختصرات، بل يلزم النظر إلى الأمر بحسب جهة النظر التي يتم من خلالها رفع هذا الشعار ومستلزماته. فالضروري يتلون، فيما نرى، بلون العلم موضع الفحص والتحليل. ذلك أن الضروري في المختصرات الطبيعية هو براهين الدلائل، أما في ما بعد الطبيعة فهو الأولى والأحرى مع المصادرة على ما تبين في العلم الطبيعي، بينما هو في علم النحو المشهور، مثلما أنه ليس في علم أصول الفقه، سوى المشهور ذاته.

بناء على هذه الأسس… نذهب إلى أن غير قليل من التواليف الموضوعة إنما ترفع شعار المختصرات وتسكنها غاياتها الخاصة ومشاريعها الطموحة والجريئة.

إننا… إنما نتوخى تأسيس الوعي لدى قراء الفلسفة والمتن الرشديين بما أسميناه مد الجسور بين المختصر، والشرح عموما، وبين الموضوع…»[25]

«كتابة مختصرات ابن رشد تمتد على كل مراحل حياة ابن رشد الفكرية، ومن ثم فهي تمتص في طياتها كل أنماط الكتابة لدى أبي الوليد، من جوامع تلاخيص وشروح، بل وتواليف موضوعة. ولعلها لذلك، إذن، ضمنت إمكان الاستمرار، دون أنماط الكتابة الأخرى، إلى ما بعد ابن رشد، سواء لدى بعض تلاميذه أو لدى غيرهم من النظار الذين استلهموا مشاريعه وبرامج عمله دون سابق إشعار ولا لاحق إنذار[26]

————————

-[1]  محمد مساعد، المستدرك على المتن الرشدي، العدد 3، مطبعة مرجان، مكناس، 2017.
-[2]  المرجع نفسه، تقديم.
-[3]  المرجع نفسه، ص. 4 .
-[4]  جمال الدين العلوي، المتن الرشدي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء،1986 ، ص. 171.
-[5]  المرجع نفسه، ص. ص. 140-141.
-[6]  المرجع نفسه، ص. ص  140-143.
-[7]  محمد مساعد، المستدرك على المتن الرشدي، مرجع سابق، ص. 9.
 -[8] المرجع نفسه، ص. 131.
-[9]  المرجع نفسه، ص. 109.
 -[10] المرجع نفسه، ص. 59.
 -[11] المرجع نفسه، ص. 87.
-[12]  المرجع نفسه، ص. 137.
-[13]  المرجع نفسه، ص. 78.
-[14]  المرجع نفسه، ص. 52.
-[15]  المرجع نفسه، ص. 56.
-[16]  المرجع نفسه، ص. ص .115- 116.
 -[17] المرجع نفسه، ص. 123 .
 -[18] المرجع نفسه، ص. 121.
 -[19] المرجع نفسه، ص. 114.
-[20]  المرجع نفسه، ص. 23.
 -[21] المرجع نفسه، ص.25 .
-[22]  المرجع نفسه، ص. 140 .
 -[23] المرجع نفسه، ص. 141 .
 -[24] المرجع نفسه، ص. 203 .
 -[25] المرجع نفسه، ص .ص. 149- 150 .
 -[26] المرجع نفسه، ص .ص. 8-9 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.