” من مقومات التّقنين في المذهب المالكي “

محاضرة للعلامة الدكتور إدريس الفاسي الفهري

عقد مركز روافد للدراسات والأبحاث بشراكة مع جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، دورة تكوينية تهم باحثي سلك الدكتوراه، في موضوع:

“الثوابت الدينية والهوية المغربية في الدراسات الأكاديمية والأبحاث الجامعية”

 وقد ضم هذا التكوين محاضرات لمجموعة من الأكاديميين المغاربة عن وحدة الثّوابت، وأصالة وجذور الهوية المغربية.

وقد تدخّل فضيلة الدكتور إدريس الفاسي الفهري؛ نائب رئيس جامعة القرويين، بمحاضرة في موضوع: “مقومات التقنين في المذهب المالكي”

استهل  المحاضر كلامَه بمقدمة مصطلحية، تتبَّع من خلالها الاشتقاقات اللّغوية، مُعرّجاً بعد ذلك على المداليل المصطلحية للكلمة، ليتخلص من كل ذلك إلى الحديث عن “التقنين” باعتباره فرعاً من القانون؛ وقد أشار هنا إلى أن هذا المصطلح، على مستوى الإجراء والتطبيق، عُرف في  المجتمعات الغربية قبل غيرها، لينتقل بعد ذلك إلى تحديد تعريف للتقنين، ضمَّنه ما يراه ضروريّاً حتى يستقيم معناه.

والتقنين بهذا المعنى يصير، بالنّسبة للفقيه المغربي؛ إدريس الفاسي الفهري، عمليةَ جمع لفروع من فروع القانون، وفق شروط معينة، وهي:

  1. التبويب والترتيب.
  2. عدم التناقض والغموض.
  3. إلزامية القواعد المستندة إلى سلطة الدولة المتمثلة في السلطة التشريعية.

إنَّ التقنين إذاً، عملية مصاحبة لعملية التشريع التي تقوم بها السلطة المختصة (السلطة التشريعية)؛ والتي تروم توحيدَ القانون، وتيسير عمل القضاة، وترتيب القوانين وفق منطق معين، يكون عاصماً لهم من الزَّلل، ويسجل الدكتور إدريس الفاسي الفهري هنا، أنَّ أصواتاً مناهضة لعملية التقنين في بداياتها ارتكزت على مأخذين اثنين وهما: الجمود والقصور والنقص، غير أنَّه سرعان ما تبَدَّى عوار ما ذهبوا إليه، فالتطور والتجدد من خواص القوانين، كما أن سمة الضبط والدقة شرطٌ فيها أيضا.

بعد ذلك، توسل الأستاذُ المحاضر بجملة من التعريفات المعاصرة لمصطلح التقنين، هذه التعاريف التي يراها عاكسةً لسيرورة تطور هذا المصطلح في البيئة الإسلامية.

لماذا التقنين؟ وهل يُحتاج مع الفقه إلى تقنين؟ كان هذا هو الإشكال الذي توسَّل من خلاله الدكتور إدريس الفاسي الفهري إلى انتقاد بعض الرؤى الفكرية التي تتوجس من كلمة تقنين؛ لمجرد نسبتها إلى كلمة (قانون) ذات الحمولة الوضعية في زعمهم، والتي تعطي الحاكمية للإنسان، لذلك ساق بعضاً من التعريفات؛ كتعريف الدكتور القرضاوي، وتعريف الدكتور محمود خالد منصور، والدكتور عبد الرحمن شكري وغيرهم، فهذه التعريفات، وإن كانت ألمحت إلى الاعتراف بأهمية التقنين في ترتيب وتنظيم وتبويب القوانين وإلزاميتها، غير أنَّ مآخذ ثلاثة سجلها علي:

  • عدم ذكر الهياكل المكلفة بالتشريع، وهو ما قد ينسجم والرؤى الفكرية السائدة التي سلف ذكرُها.
  • عدم الإشارة إلى المذهب الفقهي المعتمد في عملية التقنين تضييقاً أو توسيعاً.
  • التقنين، بهذا الاعتبار، يلغي الفقه الإسلامي، كما يلغي غيرَه خدمةً لمن يرى بدعية المذاهب الفقهية.

وبنظرٍ مصلحي يوازن بين المصالح والمفاسد، أكد الأستاذُ الفهري على خطورة القول بعدم جدوى التَّقنين؛ لأنه فاتحٌ لباب التشهِّي والتخير بحسب الأهواء من لدن ضعاف النفوس من القضاة، ما يضع القضاءَ والدولةَ محلَّ اتهام، فتختلّ أمورُ الناس، ولا تجري أحوالُهم على استقامة .

بعد هذه الجولة التي رامت بيانَ حقيقة التقنين الفقهي، انتهى الدكتور إدريس الفاسي الفهري إلى رفض أبرز مقومات التقنين الفقهي في المذهب المالكي، وقد حصرها في صنفين:

الأول: مقوماتٌ عامة؛ هي محلُّ اتفاق ووفاق بين فقهاء الأمة وعلمائها وهي كالآتي:

الحاكمية لله تعالى – شمول الشريعة وصلاحها – عدم تناهي الأحكام؛ فالشريعة كاملة بمعانيها.

الثاني:  مقوماتٌ خاصة؛ وهي المذهبية، والتي ساعد على استمرارها وتطورها تلك القوانينُ والتقنيات المتعدّدةُ؛ كتقنين الترجيح بين الأقوال عند تعارضها، وتقنية الاستعارة من المذاهب الأخرى؛ أو ما يعرف عند المالكية بإعمال دليل المخالف، ومن مقوماته كذلك، الأوبة إلى حكم وليِّ الأمْر فيما لم يرد فيه نصٌّ؛ اعتباراً بالضوابط الشرعية الحاكمة في ذلك، علاوةً على الارتكان إلى قول الحاكم، فهو يرفع الخلاف حال التنازع؛ عملاً بالقاعدة المشهورة (حكم الحاكم يرفع الخلاف).

ومما أورده الدكتور هنا، حوارُ الإمام مالك رحمه الله مع أبي جعفر المنصور في مسألة حمل الناس على رأي فقهي معيَّن، وهو ما اختاره مالكٌ في الموطأ، ليعتذر له بأنَّ الناس اختلفوا وتوزعوا في الأمصار، غير أنَّه، وبتغاير الظروف، وقعت إلزامات وتقنينات عند مالكية الغرب الإسلامي، أشهرها مثلاً، ما ذكره الباجي عن أهل الأندلس، اشتراطهم على القاضي الفتيا بقول ابن القاسم، والقول بالمشهور على اختلاف في تحديد دلالته في المذهب؛ وقد ألف فيه محمد بن راشد القفصي كتابَه “المذهب في ضبط مسائل المذهب” مبيِّنا قوتَه واعتمادَه في الفتوى، وهذا ضرب من التقنين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

         لمشاهدة محاضرة الدكتور إدريس الفاسي الفهري، المرجو الضغط على الرابط الآتي:

                                                                                 https://bit.ly/36TuUCI

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.