نماذج من موقف الخلفاء الموحدين من العلوم العقلية – 1

الفلسفة والمنطق

محسن عباسي

 باحث  في سلك الدكتوراه (مؤسسة دار الحديث الحسنية، الرباط )

إن معرفة السياق بكل أنواعه (التاريخي، الاجتماعي، الفكري والسياسي…) الذي تظهر فيه الأفكار والمواقف ضروري في فهم العوامل والأسباب التي أنتجتها وولدتها، ومن ثم قبولها أو رفضها تبعا لذلك؛ ذلكم شأن إشكالية الدرس الفلسفي في الأندلسفي فترة حكم الموحدين، وجدلية العلاقة بين الفلسفي والتاريخي في فكرومواقففلاسفة الغربالإسلامي.حيث إن جل القراءات والدراسات التي طرحت حول الموضوع لم تفلح في إزالة الغموض حولها لأسباب أهمها: غياب ربط معقول بين النشاط الفلسفي وبين الوضع التاريخي والأيديولوجي[1]. يقول الدكتور عبد المجيد التليلي: «فكل خطاب فكري لا ينشأ طفرة بل لا بد له من مرتكز ومستند فكري وسياسي(أيديولوجي) بل واجتماعي يمكنه من أن ينحو المنحى الذي يطبعه ويميزه[2]». وهي الملاحظة التي ما انفك الباحثونفي هذا الموضوع يرددونها، وذلك في إشارة واضحة أن كثيرا من اللبس والغرابة في بعض المواقف الفكرية في هذه الفترة من تاريخ المغرب لا يمكن أن يفهم ويستثمر إلابردها إلى ملابساتها، والظروف التي كانت عاملا في توليدها.

ولعلي لا أكون مجازفا إذا قلت إن العامل السياسي كان له الدور الأكبر في توجيه أغلب هذه المواقف؛ ذلك أن السلاطين الموحدين على عادة الحاكمين على امتداد تاريخ الدولة الإسلامية كان لهم تدخل مباشر في الحياة الفكرية والعلمية، وخصوصا ما يتعلق بالموقف من العلوم العقلية التيوفدت الأندلس، إن كان على وجه القبول والتشجيع على تعلمها وتقريب أصحابها، أو رفضها ومقتها والذهاب حد إبعاد أعلامها وامتحانهم أو حتى قتلهم. لذلك يأتي هذا البحث ليحاول إبراز موقف بعض السلاطين الموحدين من العلوم العقلية؛ وهل كانت هذه العلوم جزء من المشروع الموحدي الذي ارتضاه من تعاقب على إدارة هذه الدولة؟وهل كانت آراء سلاطين دولة عبد المومن متفقة حولها؟ وكيف تفاعل حاملو هذه العلوم في الأندلس مع هذا محيطهم السياسي؟

العلوم العقلية في الأندلس.

يقول ابن خلدون (808ه): «وأما العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان من حيث إنه ذو فكر فهي غير مختصة بملة بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلهم ويستوون في مداركها ومباحثها.وهي موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة. وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة[3]». فهذا نص لابن خلدون يبين فيه أن العلوم العقلية لم تختص ببيئة دون أخرى لما كانت تتصل بالكائن الإنساني المتفكر العاقل. ولم تكن بلاد الغرب الإسلامي ببدع من هذه القاعدة؛ فقد عرف الناس النظر العقلي بأنواعه ومارسوه، وتخرج مجموعة من الفلاسفة والحكماء المبرزين من هذه الوسط الجغرافي.

بيد الأمر لم يحدث طفرة؛ بل تدخلت فيه مجموعة من العوامل المختلفة المتداخلة، فقذ تطلب الأمر تراكما زمنيا، حتى يألف القوم هذه العلوم ويعرفوا ما فيها من فائدة، حيث لم يكن لهم عهد سابق بها، وأغلب الانطباعات التي تكونت لديهم حولها لم تكن تستند إلى مرتكز علمي قوي لما كانت تمر عبر الوسائط والسماع. كما تطلب الأمر تدخل السدة الحاكمةالتي تعشق بعض سادتها هذه العلوم، ورأوا فيها خدمة لبعض «أجندتهم» وأغراضهم.

فإن كانت العلوم «الشرعية» الوافدة على الأندلس من المشرقلم تلق ترحيبا بداية أمرها ولم تنشرح لها صدور القومانسجاما ورفضهم الجذري كل سبيل للتجديد الفكري،بدءا من علم الحديث وعلم الأصول، فمواقف الأشعرية وانتهاء بكتب أبي حامد الغزالي[4]؛ فإنه لا نستغرب موقف الرفض الذي واجهت به السلطة العلمية المتحكمة في الأندلس العلوم العقلية إذ كانت «غير إسلامية» الولادة والنشأة، حيث إنها ظلت دائما معزولة عن الثقافة الإسلامية، وكانت تخوض في بعض المسائل البرهانيةالتي لم يألفها المسلمون. فكان وجودها يشكل تهديدا للسلطة العلمية المتحكمة في الأندلس، والتي كانت دائما ما تواري هذا القلق والخوف على سيادتها ووجودها برفع شعارات من قبيل حماية معتقد الأمة ودينها إلى للسدة الحاكمة، ومحاربة كل أشكال الكفر والزندقة التي من شأنها التغلغل داخل المجتمع التي هي وصية عليه.

ولا غرابة في مجتمع يسيطرفيه المعطى الديني علىمخيال الناس، أن يكون السؤال المحدد للموقف من هذه العلوم هو مدى موافقتها لما هو في الدين الإسلامي؛ فإذا ثبت ذلك أقدم الناس عليها تعلما وتعليما أو حتى كتابة، وإن كان ما فيها مناقض لما في الشريعة تحرج الناس منها ورفضوا الاشتغال بها مخافة أن يرموا بالكفر والزندقة، أو أن يحاربوا وينكبوا كما وقع لبعضهم.فكان المعطى الديني هو المعيار الذي تقاس على وزانه العلوم الجديدة عموما «فلم يكن للعلم في الثقافة العربية الإسلامية المأثورة استقلاله المعرفي والمنهجي بحيث يشكل المعطى الأول للحقيقة، كما سيؤول إليه وضع العم في العصر الحديث.ف«الحقائق» قد تؤخذ من علوم كالطبيعيات والفلك والرياضيات وغيرها، غير أنها لكي تكتسب مصداقيتهاّ، كان لا بد وأن يبحث لها عن توافق مع المعطى الديني[5]».

وقد كان حاملوهذه العلوم في بلاد الغرب الإسلامي على وعي تام بهذه المسألة؛ لذلك اجتهدوافي الدفاع عنها وعن وجودها بدفع الشبع عنها، وبيان براءتها مما ينسب إليها من تشويش وقلق على عقيدة الإنسان المسلم،ومبينين أنها تصدر إلى جانب الشريعة من مشكاة ومنبع وحيدين، فليس فيها ما يعارض أو يناقض مقتضيات الشرع. فألف ابن رشد كتابه المشهور كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال”.الذي كان من مقاصده -إضافة إلى الرد على الغزالي-بيان هذا التوافق بين أصلي الشريعة والحكمة.

بل إن منهم من دافع عن وجود هذه العلوم الوافدة بطريق بيان فائدتها ومنفعتها حتى للعالم بالشريعة، إذ كانت مدخلا للصواب؛ كما فعل أبو الحجاج محمد ابن طملوس في كتابهفي المنطق وقبله الغزالي في كتبه«المنطقية» التيلم يآلوجهدا فيها للدفاع عن المنطق ومشروعيته وحاجة المشتغل بعلوم الشريعة إليه، وكذا الفارابي في إحصاء العلوم الذي اقتبس منه ابن طملوس نصه كاملا في ثمرة المنطق وفائدته.

غير أن موقف ابن رشد(595ه) وتلميذه ابن طملوس(620ه) المشجعين على تعلم الفلسفة والمنطق على التوالي؛ لم يكونا بنفس الشأن والاعتبار الذي أحيط بهما في وسط كانت المكنة فيه للفقهاء، ولا في بيئة ألفت التقليد ورفض كل جديدلو لم يكن ورائهما محتضن وداعم قوي، يؤمن لهما جانب أصحاب الفروع، ويكفل لهم سبل التيسير والنجاح. يقول الأستاذ جمال الدين العلويعن نجاح مشروع ابن رشد في جمع وتلخيص وشرح الأورغانون: «وغني عن البيان أن من أسباب نجاح المشروع الرشدي الأول هو ما كفلته له الدولة الموحدية الجديدة من غطاء وحماية، وبوجه خاص ما قدمه الأمير الموحدي المتنور يوسف بن عبد المومن من سند[6]».

ويؤكد هذا التوجس الذي كان يشغل الفلاسفة في تلك الحقبة قصة دخول ابن رشد إلى قصر أمير المؤمنين يوسف بإيعاز من ابن طفيل-الذي لم يزل يجلب إلى الخليفة الموحدي العلماء من جميع الأقطار-، قال ابن رشد بعد أن سأله أبو يعقوب عن رأي الفلاسفة في السماء؟ يعني أقديمة أم حادثة: «فأدركني الحياء والخوف، فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة[7]».

ويتحدث الأستاذ عبد المجيد الصغير عن مسايرة ابن طملوس لمشروع الغزالي المتعلق بمشروعية المنطق أو «أسلمته» قائلا: «كما أن موقفه ذلك يستند على مشروعية سياسية ما دام لا يتوقع معارضة من طرف الخليفة المنصور، الأمر الذي شجعه على تحدي موقف فقهاء الفروع من المنطق[8]».

وفي المقابل فإن المحنة التي وقعت لابن رشد في آخر حياته كان-كما يصورها أغلب المؤرخين-من أهم أسبابها اشتغاله بالفلسفة، وبموقف الخليفة المنصور منها؛ يقول الصفدي: «وأمتحن آخر عمره؛ أمتحنه السلطان يعقوب وأهانه ثم أكرمه ثم أنه مات في حبس داره لما شنع عليه من سوء المقالة والميل إلى علوم الأوائل[9]». ويتحدث محمد المنوني عن السلطان المّأمون وموقفه السلبي من الفلسفة:«والمأمون منهم كان منحرفا عنها على طول الخط. وقد أدى به هذا إلى أن قتل الفيلسوف الأندلسي ابن حبيب من أجل اشتغاله بهذا العلم[10]».

فظهر من هذه النقول مجتمعة أن الحكام الموحدين كان لهم بوجه عام تدخل مباشر في الشؤون الفكرية في بلاد الغرب الإسلامي؛ وبشكل خاص الموقف من العلوم العقلية والمشتغلين بها. وكما يظهر فإن هذا الموقف يمكن تقسيمه في الجملةإلى رأي مسدد داعم قوي، دافع عن أصحاب هذه الفنون الذين بهم يتحقق وجودها ودوامها، فجعلوا يكرمونهم ويوفرون لهم الحماية والغطاء اللازمين. وآخر لم يخف رفضه لهذه العلوم ولم يتردد في إبعاد أهلها وامتحانهم، بل والذهاب حد قتلهم، وهذا قدر كاف في بيان الخطر الذي كانت يتصوره هؤلاء من هذه العلوم.

لأجل ذلك، ولتعذر استيفاء الموضوع كاملا-في هذه الورقات-بحيث نرصد انفعالات كل من تعاقب على حكم الموحدين اتجاه العلوم العقلية-؛ فقد آثرنا المقابلة بين نموذجين مختلفين مختارين يبرزان تباين الموقف من هذه العلوم العقليةعند الحكام الموحدين.

(يتبع)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]عبد المجيد الصغير، فصل المقال فيما بين المنطق والشريعة من الاتصال: النزعة الغزالية في الغرب الإسلامي، (مجلة المناظرة، السنة الثانية، العدد 3، 1990)ص: 23.

[2]عبد الرحمن التليلي،تمظهرات الخطاب الفلسفي في الغرب الإسلامي، ابن رشد والغزالي. (المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد 19، 1998) ص: 53.

[3]ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق خليل شحادة( دار الفكر، بيروت، الطبعة: الثانية، 1408 هـ – 1988 م) ص. 629.

[4]ينظر ابن طملوس، كتاب في المنطق، تحقيق وتقديم وتعليق فؤاد بن أحمد، ص. 8-16.

[5]علي أومليل، السلطة السياسية والسلطة العلمية: الغزالي، ابن تومرت، ابن رشد،ضمن ندوة: أبو حامد الغزالي: دراسات في فكره وعصره وتأثيره، (منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 9، 1988)  ص.11.

[6]جمال الدين العلوي، الغزالي والخطاب الفلسفي في الغرب الإسلامي: الغزالي وتشكل الخطاب الفلسفي لابن رشد،( مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد بن عبد الله فاس، العدد 8، 1986) ص. 36

[7]عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيقالدكتور صلاح الدين الهواري(المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، الطبعة: الأولى، 1426هـ – 2006م)، ص.179.

[8]عبد المجيد الصغير، ص: 33.

[9]الصفدي،الوافي بالوفيات، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى(دار إحياء التراث – بيروت، 1420هـ- 2000م) ج، 2، ص. 82.

[10]محمد المنوني، العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين،مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، ط2، 1977) ص. 102.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.